حكايا ناس

هل يمكن للألم أن يهزم مخاوفنا؟

عاشت الكاتبة والمحررة الجورجية، فيزا بيراني، المقيمة في أتلانتا، طوال حياتها، خائفة من السباحة. بدأت دروس السباحة في سن المراهقة، مع المبتدئين من الأطفال. وهو توقيت متأخر نسبيًا ما تسبب في شعورها بالحرج من اختلاف جسدها عنهم، وسرعان ما تركت الدروس وانسحبت من التدريب. عاشت مذعورة من النزول إلى المياه، واليوم تروي لنا كيف ساهم مرضها في تخلصها من إحدى مخاوفها الكبرى وهي السباحة.

قبل شهر من تفشي الوباء في جورجيا، كانت «فيزا» راقدة على الفراش. غير قادرة على الجلوس أو الوقوف بأي شكل يحافظ على استقامة العمود الفقري لأكثر من 10 دقائق في المرة الواحدة.

عادت إلى المنزل بعد أن تركت وظيفتها في غرفة الأخبار لتتمتع بحياة أكثر استقلالية وإبداعًا. شعرت على مدى السنوات الخمس الماضية بذنب عميق داخلها لعدم قدرتها على إدارة العمل بسبب ألمِها. وأدى الجلوس أو الوقوف لفترة طويلة -أو حتى التبديل بين الجلوس والوقوف- إلى تفاقم الألم.

اشتدت إصابتها المزمنة مرة أخرى، لدرجة لم تعد معها قادرة على الاعتناء بنفسها. لكن والدتها ساعدتها على الاستحمام، ووضع الملابس فوق رأسها حتى الجلوس في المرحاض كان أمرًا مستحيلًا أن تقوم به بمفردها.

كانت والدتها تحضر لها الطعام إلى الفراش. لم تستطع حتى القيام للأكل، كانت تبكي بشدة من هذا الوضع وتشعر بالضيق والعجز، لكنها حمدت الله على نعمة والديها اللذين ساهما في دعمها.

ألم لا يحتمل يدفعها لمواجهة خوفها

في محاولة أخرى يائسة لإيجاد طرق بديلة لتهدئة آلام الأعصاب المزمنة، والتي اشتدت بمرور الوقت. لجأت إلى مجموعات الدعم عبر الإنترنت للحصول على المشورة والنصح.

أجمعوا كلهم على العلاج المائي، ظلت تقرأ الجملة، وسألت المُعالجة الخاصة بها فأوضحت لها أن بالفعل هناك تمارين تُمارس تحت الماء تساعد على التخفيف من حدة الآلام. فكرت فيزا في شيء واحد أنها لم تتعلم السباحة مطلقًا؛ بل كانت تهرب طيلة حياتها منها. لكن في هذه اللحظة كان إحباطها من الألم أقوى من مخاوفها.

صممت على الجلوس في المياه الضحلة، وبدأت في إيجاد راحتها. بعد إعادة تعلم مهارات التنفس الأساسية، أمضت أيامًا تطفو بشكل أقرب وأفضل. وذات صباح لاحظت أن المقعد الموجود تحت الماء في النهاية العميقة على بعد مسافة ذراع.

استمتاع بالسباحة بعد خوف طويل منها

بعد الظهر تعلم جسدها الذي يبلغ طوله 5 أقدام و 5 بوصات أخيرًا أن يخطو في الماء أثناء الانغماس في 10 أقدام منه، لم تغادر المسبح حتى حلول الليل. لم يهدأ الألم تمامًا إلا عندما غمرتها المياة تمامًا حيث كانت رجلها بعيدة عن الأرض تحت الماء، وقتها شعرت فيزا أنها عادت إلى الحياة. أحست أنها على قيد الحياة بالفعل.

أحبت فيزا المياة للدرجة التي جعلتها تندمج مع كل مرة تمطر فيها السماء كانت تسبح لمدة ساعتين على الأقل يوميًا وبعد السباحة، تحضر اجتماع عبر تطبيق Zoom لمدة ساعة ثم تقوم بالغسيل بمفردها، وعادت إلى الكتابة على مكتبها بهدوء دون الشعور بالألم.

لم تخفف السباحة من مرض فيزا، لأنه كان مزمنًا، لكنها أعطتها الطاقة التي تحتاجها للعمل والكتابة مرة أخرى، كما لعبت المياه أيضًا دورًا كبيرًا في تنمية هواية جديدة أخرى تعلمتها في الحجر الصحي.

العلاج ليس بالرياضة وحدها بل بالفن أيضًا 

في مايو -أثناء البحث في مخزن الطابق السفلي لعائلتها- عثرت على لوحة ألوان مائية جافة وحفنة من الفرش القديمة متعددة الأغراض في الغالب كانت لمالكي المنزل السابقين. فكرت أنها لم تجرب الرسم منذ كانت في الصف الثالث. وسارعت بملىء برطمانا زجاجيا بالماء ووضعته على منضدة السرير المزدحمة، وأمسكت وسادة ورقية ولوحة الألوان القديمة، وشاهدت الماء يعيد احياء العمل. ذكرتها الألوان وهي تتداخل مع الماء بالكتابة الحرة، والتخلي عن السيطرة وانطلاق الكلمات دون قيود. وسرعان ما أصبح التلوين المائي من الطقوس المسائية، وعكازًا على الأيام الثقيلة المتكررة من زمن الوباء والحجز المنزلي. تمتلئ أوراق كراسة الرسم باللون الأخضر والبني، نتيجة للخلط المفرط للألوان. وهنا شعرت فيزا أن شيئ ما بداخلها يعاود الظهور من خلال إبداعها الجديد.

أمضت فيزا وقت عزلتها مع السباحة والتلوين المائي فأضحى أكثر أوقاتها سعادة، كلاهما أظهر لها القوة العظيمة في التخلي عن السيطرة على عالم أضحى خارج عن السيطرة. تقول «فيزا»: «مازلتُ أعاني للصمود في هذا العام، مثل الكثيرين لكني أبذل قصارى جهدي للبقاء واقفة على قدمي، والماء ساعدني على ذلك».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى