
ما هو الخوف الأكبر في داخلك؟ هل تعاني من «فوبيا الماء» أو الحيوانات.. الكهرباء.. المرتفعات.. الظلام.. الأماكن الضيقة.. التجمعات والازدحام؛ تخيل أن يكون هذا الوحش الذي تهابه السبب في إنقاذ حياتك. وتغييرها رأساً على عقب.. أن يكون أملك الوحيد.
سأبقى بعيداً عن الماء
عندما كانت «فيزا بيراني» في سن المراهقة تركت دروس السباحة في مركز الألعاب المائية المحلي في ضواحي جورجيا بالولايات المتحدة الأمريكية، خجلًا من وجودها مع المبتدئين من الأطفال الصغار، لأنها شعرت بالإحراج من جسدها في بدلة السباحة.
في الكلية؛ كانت السباحة شرطًا للقبول في السنة الأولى، فتمكنت من إعفاء نفسها من الفصل بتقرير طبي، فوبيا الماء جعلتها مذعورة من السباحة، خائفة من النزول إلى تلك المياه الزرقاء الداكنة.
«فيزا بيراني» هي كاتبة ومحررة مقيمة في أتلانتا، عاشت طوال حياتها تخاف السباحة، وتفخر بألمها الذي ساهم في تخلصها من أكبر مخاوفها.
أعوام من الألم
كانت قد عادت إلى المنزل في أكتوبر 2019 بعد أن تركت وظيفتها في غرفة الأخبار لتتمتع بحياة أكثر استقلالية وإبداعًا، وعلى مدى السنوات الخمس الماضية شعرت بذنب عميق داخلها، لعدم قدرتها على إدارة العمل، بسبب ألمها حيث أدى الجلوس أو الوقوف لفترة طويلة -أو حتى التبديل بين الجلوس والوقوف – إلى تفاقم الألم.
عندما اشتدت إصابتها المزمنة مرة أخرى في فبراير، للدرجة التي لم تعد قادرة على الاعتناء بنفسها، وكانت والدتها هي من تعتني بها بدءً من الاستحمام، و وضع الملابس فوق رأسها حتى الجلوس في المرحاض كان أمرًا مستحيلًا أن تقوم به بمفردها، تحضر لها الطعام على الفراش؛ لم تستطع حتى النهوض للأكل. كانت تبكي بشدة من هذا الوضع وتشعر بالضيق والعجز.
في محاولة أخرى يائسة لإيجاد طرق بديلة لتهدئة آلام الأعصاب المزمنة، -والتي اشتدت بمرور الوقت- لجأت إلى مجموعات الدعم عبر الإنترنت للحصول على المشورة والنصح.
خطوة نحو التعافي.. ولكن!
أجمع كل الأطباء على ضرورة العلاج المائي لحالة «فيزا»، ظلت تقرأ الجملة، وسألت المُعالجة الخاصة بها فوضحت لها أن بالفعل هناك تمارين يتم ممارستها تحت الماء، تساعد على التخفيف من حدة الآلام.
فكرت فيزا في شيء واحد أنها لم تتعلم السباحة مطلقًا، فوبيا الماء جعلتها تهرب طيلة حياتها منها لكن في هذه اللحظة كان إحباطها من الألم المزعج أقوى من مخاوفها.
صممت على الجلوس في المياة الضحلة؛ وبدأت في إيجاد راحة جديدة. بعد إعادة تعلم مهارات التنفس الأساسية، مضيتْ أيامًا تطفو بشكل أقرب وأقرب. وذات صباح لاحظت أن المقعد الموجود تحت الماء في النهاية العميقة كان على بعد مسافة ذراع.
بعد الظهر تعلم جسدها الذي يبلغ طوله 5 أقدام و 5 بوصات «1.67 متر» أخيرًا أن يخطو في الماء أثناء الانغماس في 10 أقدام منه ما يساوي 3 أمتار، لم تغادر المسبح حتى حلول الليل.
لم يهدأ الألم تمامًا إلا عندما غمرتها المياه تمامًا حيث تكون رجلها بعيدًا عن الأرض تحت الماء، وقتها شعرت فيزا أنها عادت إلى الحياة. أحست أنها على قيد الحياة بالفعل.
اقرأ أيضاً: الأكروفوبيا.. لماذا قد نخشى الطوابق شاهقة الارتفاع؟
طريق الخلاص
أحبت فيزا المياه؛ للدرجة التي جعلتها تندمج مع كل مرة تمطر فيها السماء كانت تسبح لمدة ساعتين على الأقل يوميًا وبعد السباحة، تحضر اجتماع عبر تطبيق Zoom لمدة ساعة ثم تقوم بالغسيل بمفردها، وعادت إلى الكتابة على مكتبها بهدوء دون الشعور بالألم.
تيار المياه.. يذهب بعيداً
لم تخفف السباحة من مرض فيزا لأنها كان مزمنًا، لكنها أعطتها الطاقة التي تحتاجها للعمل والكتابة مرة أخرى. لعبت المياه أيضًا دورًا كبيرًا في تنمية هواية جديدة أخرى تعلمتها في الحجر الصحي ضمن الاجراءات الاحترازية من فيروس كورونا.
في مايو -أثناء البحث في مخزن الطابق السفلي لعائلتها- عثرت على لوحة ألوان مائية جافة، وحفنة من الفرش القديمة متعددة الأغراض في الغالب كانت لمالكي المنزل السابقين.
ما زلت أعاني من أجل الصمود هذا العام، مثل الكثيرين. لكني أبذل قصارى جهدي للبقاء واقفة على قدمي فيزا بيراني
فكرت أنها لم تجرب الرسم منذ كانت في الصف الثالث. وسارعت بملىء برطماناً زجاجياً بالماء، ووضعته على منضدة السرير المزدحمة، وأمسكت وسادة ورقية ولوحة الألوان القديمة، وشاهدت الماء يعيد إحياء العمل. ذكرتها الألوان وهي تتداخل مع الماء بالكتابة الحرة، والتخلي عن السيطرة وانطلاق الكلمات دون قيود.
وسرعان ما أصبح التلوين المائي من الطقوس المسائية، وعكازًا على الأيام الثقيلة المتكررة من زمن الوباء والحجز المنزلي. تمتلئ أوراق كراسة الرسم باللون الأخضر والبني، نتيجة للخلط المفرط للألوان. وهنا شعرت فيزا أن شيئاً ما بداخلها يعاود الظهور من خلال إبداعها الجديد.
لقد حدد النشاطان – السباحة والتلوين المائي – وقت عزلتها الذي أضحى الأكثر سعادة. كلاهما أظهر لها القوة العظيمة في التخلي عن السيطرة على عالم أضحى خارج عن السيطرة.
وتقول فيزا :«ما زلت أعاني من أجل الصمود هذا العام، مثل الكثيرين. لكني أبذل قصارى جهدي للبقاء واقفة على قدمي، والماء ساعدني في ذلك».



