Site icon الناس.نت .. وراء كل حجر قصة

«بطلة كينيا».. كيف أنقذت مجتمعها من كارثة السد؟

أنفذت الكثير من كارثة السد

أنفذت الكثير من كارثة السد

تحولت «ماري»، في ليلة واحدة؛ من متطوعة خجولة وغير معروفة في مجتمعها في كينيا، إلى السيدة التي أنقذت مجتمعها من كارثة السد.

في عام 2018؛ انفجر سد باتيل بالقرب من قرية سولاي، على بعد 190 كيلومترًا (120 ميلاً) شمال غرب العاصمة الكينية نيروبي. كانت مياه الفيضان تجرف البيوت والناس معها، الأخبار مُدمرة، الصراخ يرتفع، والهواتف لا تكف عن الرنين، اتصل الناس بالأصدقاء والعائلة والجيران، ونبهوا الآخرين من الموت الوشيك. نظرتُ حول العيادة من الداخل والخارج، هرع الكثير من النساء والأطفال إلى العيادة بحثًا عن ملجأ، ماذا يمكنني أن أفعل لمساعدتهم؟ هل يمكنهم السباحة؟ كيف سأسبح؟ لا أعرف كيف أسبح.

تسارعت الأفكار في عقلي وعذبتني، فكرتُ في خطيبي «ديري»، وفي مجتمع سولاي وعائلتي. وماذا عن عيادتناLe Cheile Africa، وكل الجهود التي بذلناها لجمع الأموال لفتحها. لقد فتحنا أبوابها قبل خمسة أسابيع فقط من الفيضان. سيطر القلق علي وأنا أستعد للموت. ارتجفت يدي بينما كنت أرسل رسالة نصية إلى خطيبي، أردت أن أسمع صوته للمرة الأخيرة. كنت خائفًة جدًا من الاتصال بوالدي، كنت أعلم أن والدي سينهار بسبب ما يحدث، صليت بصمت: «اللهم اغفر لي ذنوبي».

كارثة سد باتيل
أسبغت الدفء على طفل عمره شهر واحد .. فنجا من الموت

عندما وصلت سيارة الشرطة إلى العيادة مع الناجي الأول، طفل يبلغ من العمر شهرًا واحدًا، لم تكن لدي أية فكرة عما سيحدث لي وللعيادة مع حلول الليل، نظرتُ إلى جسد الطفل الهامد، تقطر من فمه رغوة بيضا، كان تنفسه ضعيفًا. وكنت أرتجف، لأنني مرتبكة.

لم يكن لديّ أطباء لأتصل بهم، والطبيبان المقرر لهما العمل في العيادة؛ فرّوا من مكان الحادث إلى بر الأمان. صليتُ: «اللهم ساعدني، ولا تدع هذا الطفل الغالي يموت بين ذراعي».

كان انفجارًا مدويًّا.. مشيتُ إلى الخارج لفحص الصوت، تجمعتْ مجموعة مذعورة من النساء والأطفال المحليين، تبعتهم نساء الوافدات، أمهات مذعورات، جلبن معهن الأخبار الرهيبة، ولديهن أطفال يبكون.

عانيت من صعوبة في التنفس. هل ستكون هذه النهاية؟ استخدمت البخاخ الخاص بالربو، شهيق زفير، أخذت نفسا عميقا وبعد ذلك سمعت صوتا داخليا يخاطبني: «ماري، قد تشعرين بالرعب في داخلك، لكن عليك أن تكوني قوية، هؤلاء النساء والأطفال وكبار السن المتجمعون في العيادة الخائفون واليائسون، الجميع في حاجة إليكِ».

نظرتُ إلى الطفل بين ذراعي، اجتاحتني طاقة متجددة، شعرتُ بشيء ما يوجهني إلى كيفية التصرف، بدأتْ الأفكارُ تتدفق في ذهني مثل مياه السد التي جلبت لي هذا الطفل.

حملتُ الطفل بالقرب من صدري لنقل الحرارة من نفسي إليه، بدأت بتطهير مجرى الهواء، وإزالة الوحل والحطام من جسده الهش، ربت على ظهره، توسلت الله ألا يموت الطفل بين ذراعي، انقطعت خطوط الكهرباء بسبب الفيضانات؛ فساد الظلام في كل شيء، رفعتْ إحدى النساء المحليات ضوء هاتفها بينما كنتُ أحاول إنعاش الطفل.

تجمع الناس إثر انهيار سد باتيل في كينيا
تدفق الناجون طالبين مساعدتها

بصفتي المؤسس المشارك لـعيادة «Le Cheile Africa» كنت أعرف أنني يجب أن أتولى المسؤولية. عيادتنا الصغيرة التي كافحنا من أجلها بشدة، ستصبح مكانًا لإنقاذ المجتمع، يجب أن نكافح من أجل البقاء.

في غضون دقائق، توقفت سيارة شرطة أخرى مع صفارة إنذار أخرى، وتم نقل ثلاثة أطفال آخرين إلى عيادتنا. كانت حالتهم مرعبة وبدون ملابس، اثنان من الأطفال حرارتهما منخفضة نسبيًا. استجمعت شجاعتي، وشعرت أنني ماري مختلفة تمامًا في تلك الليلة.

على الرغم من أنني شاركتُ في تأسيس «Le Cheile Africa»، إلا أنني شخصية غير معروفة إلى حد كبير في المجتمع، كنتُ دائمًا هادئة، أعمل في الخلفية، لم أتخيل قط أنني أستطيع تولي دور القائدة، كنتُ مخطئة جدًا، تساءلت كيف يمكن أن يكون ذلك ممكنًا؟ لكن الشجاعة جاءت عندما كنت في حاجة إليها.

عندما تدفق الناجون، أعطيت التعليمات لمن حولي: «من فضلك يا أختي أحضري الماء المغلي! أنت يا أخي؛ احضر البطانيات من الجيران وسلمها للعائلات في الخارج.. يا عمتي من فضلك خذي هذه الطفلة، وحافظي عليها دافئة».

بحلول الليل؛ فقدت صوتي وحاسة الشم ولم أستطع تذوق أي شيء، ولكنه مجهود يستحق العناء. حضر الجميع إلى عيادتنا، على قيد الحياة، لم يمت أحد في عيادتنا في تلك الليلة.. لقد أنقذنا الأرواح بالفعل!

هناك أوقات شعرتُ فيها بالرغبة في الاستسلام؛ ولكن كنتُ أنظر إليهم. أنا شخصيًا مررت بالكثير من المعاناة في حياتي. وبطريقة ما، تشكلت شخصيتي الداخلية من خلال هذه التجارب.

أعرف طعم الفقر والتشرد والبلطجة والبطالة والمرض، وأن أعول أسرتي في سن 18 عامًا وأعتني بأبي وإخوتي. في تجربة هذه الآلام؛ أقسمتُ على نفسي ولله أن أفعل الخير دائمًا، وأن أعامل الآخرين بالطريقة التي أريد أن أعامل بها، كانت رغبتي عند بدء العيادة أن أراها تنمو وتؤثر على المجتمع في سولاي.

بطلة مجتمع سولاي

نواصل دعم الناجين من كارثة السد، من خلال برامج الرعاية الصحية، والمشورة، والصحة النفسية، وكذلك برامج التمكين من خلال القروض الصغيرة. حدثت مفاجأة كبيرة – اتصال من الحاكم بعد أسبوعين من الكارثة كان هناك قداس للضحايا. تجمعت مجتمعات بأكملها وحضر الحدث سياسيون رفيعو المستوى، بمن فيهم رئيس كينيا ونائبه، وأشادوا بي وبدوري في إنقاذ العديد من الناس، وتم منحي جائزة الخدمة المتميزة مع جائزة إشادة رئيس الدولة.

ساعدنا رجال في مهمة الإنقاذ، وانتشلوا الناس من المياه العميقة. وحملت النساء الأطفال على صدورهن – على غرار الكنغر. وقام آخرون برعاية المسنين مع فرار الناس من منازلهم. أمضى كثيرون الليل ينظرون إلى الخارج لمشاهدة ما إذا كانت المياه تتجه في اتجاهنا. في رأيي، اجتمع المجتمع بأكمله كأبطال في تلك الليلة. كانت الطريقة التي عملنا بها جميعًا معًا شهادة على الإنسانية «Le Cheile Africa».

أصبحتُ بطلة لمجتمع سولاي، أشعر بالتواضع الشديد عندما يأتي الكثير من الناس إلى العيادة بحثًا عن المساعدة، أو لرؤية السيدة التي أنقذت العديد من الأطفال. مع قدوم المزيد من الأشخاص إلى العيادة للحصول على الدعم، نحتاج إلى مزيد من التمويل للتوسع، وهذا ما نعتزمه في توسيع العيادة لتشمل جناح الأمومة والمرضى الداخليين للأطفال والكبار.

 

 

Exit mobile version