لماذا فضل ماكرون زيارة فيروز أولا؟

في ثاني زياراته إلى بيروت المنكوبة، إثر انفجار هز أرجاءها في 4 أغسطس الماضي؛ اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، استهلال زيارته بلقاء الفنانة الكبيرة فيروز، واحتساء فنجان من القهوة في منزلها.
“السيدة فيروز أيقونة لبنانية”، هكذا أعرب الرئيس الفرنسي، عمّا تشغله السيدة فيروز من مكانة خاصة في قلوب الفرنسيين، خلال اللقاء الذي دار في “الرابية” شمال شرق بيروت، بحضور ريما الرحباني، ابنة فيروز، والمحامي الخاص بها، بالإضافة للسفير الفرنسي في لبنان.
وخلال اللقاء الذي امتد لساعة ونصف تقريبا، منح ماكرون، وسام “جوقة الشرف” للسيدة فيروز، وهو أعلى تكريم رسمي في فرنسا، بينما أهدته “جارة القمر” لوحة فنية، قبل أن يُصرح الرئيس الفرنسي أن أغنية “لبيروت” تُعد أكثر أغنياته المفضلة، والتي أذيعت مرارًا من قِبل القنوات المحلية؛ مصحوبة بصور الدمار عقب انفجار “مرفأ بيروت”.
وفقا لتحليل الصحفي اللبناني غسان شربل، رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، فإن ماكرون ربما أراد تذكير اللبنانيين بالجسر الذي يجمع بين طوائفهم المتعددة وهو “جسر فيروز” الذي صمد عنيدا ضد العواصف.
ويرى “شربل” في مقال نشره عبر صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بعنوان “ماكرون وفيروز وآخر الخواتم”، أن صورة لبنان بعيون “فيروز والرحبانية”؛ يختلف كليًا عن لبنان الغارق في الأزمات الآن بفعل السياسيين، فإذا كانت الأولى تُمثل الحلم والحب والأصالة، فإن الصورة الراهنة تخضع تحت ضغط الأطماع السياسية، وتداول السلطة بين رجال دون مستوى الحلم. مُعتبرًا أن “ماكرون” انطلاقا من قيم الوطنية والجمال والفن والحرية؛ أراد استهلال رحلته الحاسمة لبيروت بزيارة السيدة فيروز التي يقرع صوتها كالأجراس في ضمائر المكسورين والمعذبين.
أيضًا؛ وكتب الصحفي الأردني طلعت شناعة، عبر مقاله «فيروز وماكرون»، في جريدة الدستور الأردنية، أن الرئيس الفرنسي حينما كان طفلا في السنة الثانية من عمره، كانت فيروز تغني في أكبر مسارح باريس “بحبّك يا لبنان”، وبحكم ثقافته الفرنسية ومعرفته بقيمة وأهمية فيروز، قرر لقاءها أولا.
وتوقع “شناعة”، أن حوارًا مختلفا دار بين ماكرون وفيروز يختلف عما يستمع إليه الرئيس الفرنسي من السياسيين والزعماء في لبنان، وأشار إلى أن آمال “جارة القمر” تتلخص في رفض كل الزعامات والميليشيات وتأسيس لبنان حرة دون دكاكين السياسيين.
ويتفق الكاتب اللبناني خير الله خير الله، مع الطرحين السابقين، قائلًا عبر مقاله «ماكرون وفيروز.. الرهان على لبنان آخر»، في صحيفة «العرب اللندنية»، أن ذهاب الرئيس الفرنسي إلى بيت فيروز، يكشف أن لبنان ما زال لديه ما يقدمه للعالم وللمنطقة، وأن رهان فرنسا على انتصار ثقافة الحياة على ثقافة الموت؛ لا يزال قائما، وأن هناك لبنان آخر لايزال في الإمكان الرهان عليه.
ويرى “خير الله”، أن فيروز، المطربة التي تجاوز عمرها الثمانين عامًا، ترمز إلى كل ما كان جميلا في لبنان، وتُعبر عن ثقافة الحياة وتراث غنيّ ضاع بعضه بعد تفجير ميناء بيروت، وأن تقديم ماكرون لقاء فيروز على كل كبار المسؤولين والزعماء السياسيين اللبنانيين، يبدو واضحا أن الرئيس الفرنسي يريد توجيه رسالة ما.
وبالتزامن مع التحليل السياسي لزيارة ماكرون لفيروز، أبدى نجوم الفن في لبنان والدول العربية اهتماما بالتعليق على أهمية اللقاء، حيث كتبت الفنانة مايا دياب، عبر حسابها الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، قائلة: “ماكرون أراد أن يزور رمز الوطن فيروز.. سيدة البلاد”، فيما كتب المطرب علاء زلزلي: “فيروز.. أرزة بحجم الوطن”.
أيضًا اعتبر الفنان راغب علامة أن زيارة ماكرون لفيروز تُمثل “رسالة إلى سياسيي السرقة والنهب والإجرام بأنها هي من تُمثل لبنان الحقيقي”.
على مدار تاريخها الفني الحافل، نالت فيروز إعجاب الزعماء الفرنسيين، حيث منحها الرئيس فرانسوا ميتران وسام قائد الفنون والآداب عام 1988، وحصلت على وسام فارس جوقة الشرف بعد 10 أعوام.
“جارة القمر”، السيدة التي رفضت الانحياز لشيء سوى وطنها، حتى باتت رمزا لوحدة لبنان، أنشدت حبًا لـ “شماله وجنوبه وشرقه وغربه”، وعلقت جميع حفلاتها على أرض لبنان خلال فترة الحرب الأهلية حتى لا يُفسر ذلك انحيازا لأي من الطوائف والقوى السياسية، ليبقى صوتها باعثا للأمل، مداويًا للجراح، ومُبشرًا بغد أفضل للجميع على اختلاف مذاهبهم.



