«متلازمة الزمن».. هل أغرقت النظريات العلمية نولان في Tenet؟

«ركزت في كل أفلامي على مفهوم الزمن، لأنني كنت مهتما دائمًا بذاتية الوقت»، هكذا وصف المخرج العالمي كريستوفر نولان، الحاصل على جائزة الأوسكار، رؤيته لمعالجة الأفلام السينمائية.
قبل 22 عاما تقريبًا، كان “نولان” الشاب دون الثلاثين، يبحثُ عن ممول يثق في قناعاته ويراهن عليها بالمال اللازم، ولكنه عجز عن إيجاد الرجل المناسب، فاتجه إلى كتابة وإنتاج وإخراج فيلم سينمائي تدور أحداثه في لندن ويحمل اسم Following.
للوهلة الأولى بدت القصة عادية ومُكررة، حيث تدور الأحداث حول “شاب عاطل يسعى لكتابة رواية، فيبدأ تتبع عدد من الرجال عبر شوارع لندن ليجد نفسه لاحقا مُنخرطا في عالم الجريمة”، إلا أن معالجة نولان وإضفاء فلسفته في السرد متأثرا بالفترة التي أمضاها في لندن، فضلًا عن إبراز الجوانب النفسية للشخصيات مكن الفيلم من حصد العديد من الجوائز، حتى وصفته صحيفة The New Yorker، بأنه امتداد لكلاسيكيات هتشكوك مع أنه أصغر سنا وأكثر شراسة.
تتوالى السنوات ويزداد كريستوفر نولان نجاحا يومًا بعد يوم، كما تمكن من خلق “تيمة” خاصة لأعماله الفنية يُمكن تميز مخرجها بمجرد مشاهدتها، فخلق لنفسه مجالا ربما كان أول المبدعين سيرًا في دروبه، كما كان أول من يطرح أفلامًا في السينما عقب تعطل الحياة لعدة أشهر بسبب أزمة كورونا.
نصيحة Tenet.. لا تحاول فهمها

ترى صحيفة The Guardian البريطانية، وفقا لمراجعة نقدية نشرتها عن فيلم كريستوفر نولان الأخير Tenet، أن “أول إصدار لهوليوود منذ ستة أشهر، انهار تحت وطأة كل هذا الكم المعقد من خيوط الحبكة والمفاهيم التي تضمنها”، والحقيقة أن ثمة جانب كبير من الصواب فيما يتعلق بالطرح السابق، بالمبالغة في التعقيد عادة ما تُسفر عن زخم الأحداث وتشتت المشاهد.
في أحد مشاهد Tenet، تُسدي عالمة الفيزياء لورا، التي تؤدي دورها كليمنس بويزي، نصيحة إلى بطل الفيلم جون ديفيد واشنطن، إزاء عدم تمكنه من استيعاب النظريات العلمية والأطروحات الفيزيائية التي يطرحها الفيلم ضمن سياقه.. “لا تحاول فهمها، بل أشعر بها”.
ربما النصيحة السابقة يُمكنها توجيهها للمشاهد أيضا، فمرة أخرى وكما اعتاد دائمًا، يعتمد نولان على محور الزمن في الحبكة الرئيسية للفيلم، وتنطلق منه الأحداث حول خطر مستقبلي يهدد بنهاية الحياة على كوكب الأرض عبر مصير أسوأ من الحرب النووية، ولإيقاف الأمر يجب العودة للماضي وتحديدًا لحظة النشأة لإعادة صياغة سير الأحداث، بدءًا من اللحظات الأولى ووصولا إلى النتيجة المرجوة بإنقاذ الحياة على الأرض.
إذن كيف يُمكن العودة بالزمن؟ يُقرر نولان الاعتماد على فكرة بسيطة تنبع من مفاهيم فيزيائية مُعقدة، وتتلخص في السير عبر الزمن بطريقة عكسية، الأمر الذي يؤدي لقلب مسار الأحداث بشكل كامل فيما يتعلق بالشخص المسافر فقط، إلى الآن تبدو الفكرة بسيطة ومقبولة، ولكن ما يُزيد الأمر تعقيدا هو محاولات نولان المستمرة بإضفاء جوانب علمية ونظريات فيزيائية تتطلب عقل علمي لفهمها.
يغوص نولان خلال الفيلم في نظريات الزمن والتفسيرات العلمية لها، فيطرح نظرية القصور الحراري Entropy، ويخصص وقتا لاستعراض مفارقة الجد The Grandfather Paradox والجدل العلمي الدائر حولها، ولا مانع أيضا من الإشارة لنظريات ريتشارد فاينمان، صحيح أن جميع تلك النظريات تتعلق بالمحور الرئيسي للقصة وتأصل مبادئ التعامل مع الزمن، ولكن لا يُمكن إدراج العديد من الأبحاث العلمية التي تمت مناقشتها لسنوات طويلة عبر علماء متخصصين في فيلم سينمائي يُنتظر منه الترفيه.
أيضا؛ ربما زاد الأمر تعقيدا طبيعة تعامل نولان مع المشاهد في Tenet، فيبدو أنه يعتقد أن أغلب الجمهور لديه ثقافة فيزيائية وبالتالي لا يجب ذكر تلك المفاهيم في الفيلم، ولكن الحقيقة أن ذلك الاختيار جعل الأمر ملتبسا وغير مفهوم، فالفيلم لم يتمكن من خلق قواعد جديدة لعالمه على غرار Inception، ولم يُقدم النظريات العلمية بشكل مبسط كما هو الحال في Interstellar، بل قرر التعامل مع المشاهد وكأنه خبير في النظريات العلمية المتعلقة بالزمن.
بداية رحلة الزمن

على مدار أكثر من 20 عاما، عرفت أفلام نولان فكرة رئيسية بدت مُسيطرة على أغلب أعماله بنسب متفاوتة، فبعد النجاح النقدي لفيلم Following، فُتح الباب أمام نولان نحو إنتاج وإخراج أفلامٍ أكثر عُمقا وتأثيرا، فأصدر بعد عامين فقط فيلم Memento، الذي يُعد الانطلاقة الحقيقية لنولان والفرصة الأولى لتعرف الجمهور على أعماله، كما أنه شرارة الانطلاق نحو تيمة أعمال نولان التي تتخذ من الوقت محورًا أساسيًا.
على الرغم من أن الفيلم لم يشمل أي من النظريات العلمية المُعقدة التي اعتمد عليها نولان لاحقا في Inception، Interstellar، ومؤخرًا Tenet، إلا أنه ارتكز بشكل أو بآخر حول فلسفة الزمن.
اختار نولان الاعتماد على قالب مُختلف في إخراج Memento، حيث عُرضت أحداث الفيلم بشكل عكسي لإبراز معاناة البطل الذي يتعرض لفقدان جزئي في الذاكرة، وكأن الزمن تفتت ليتحول من قطعة حجارة صلبة إلى حبيبات رمل لا يُمكنها تشكيل بنية متماسكة.
خلال تلك الفترة، بدا أن أفلام نولان تتعرض لتساؤل رئيسي هو “ماذا لو”، مع الأخذ في الاعتبار أن عنصر الزمن حاضرٌ بشكل أو بآخر في حبكة الأعمال، فنجده خلال Memento يُشير إلى أهمية الذاكرة في ترتيب الزمن لدى الإنسان، فبدونها تبدو الحياة بلا معنى، ثم بعد عامين يكشف عن فيلم Insomnia، والذي يطرح سؤالا مغايرًا، ماذا لو توقف الوقت عن حدود النهار وغرق شخص ما في نهار سرمدي دون نوم ؟، قبل أن يُقدم الإجابة ويصل بالبطل إلي مشارف الجنون.
نحو مزج العلم بالخيال

خلال فيلم The Prestige 2006، بدا أن كل الخطوط الرئيسية تُركز على كيفية تبدل حياة اثنين من ممارسي الألعاب السحرية رأسًا على عقب، بسبب التأخر ثانية واحدة في فتح الصندوق عن الوقت المناسب.
كذلك يعتمد نولان أسلوب السرد غير المتعاقب الذي اشتهر به “تارنتينو”، حيث يبدأ الفيلم بمشهد النهاية، ثم البداية، وتدر الأحداث في زمن القصة بانضباط سلس.
زمن كل شيء

في 2010، يتطور مفهوم الزمن عند نولان في Inception حيثُ اللحظة في عالم الواقع تساوي دهرًا في دُنيا الأحلام، والتي عادة ما يؤدي الانخراط فيها لفترات طويلة إلى الانفصال عن الواقع، ثم ينتقل بعد 4 أعوام لأحد أعقد الأفلام في تاريخ السينما الحديثة، Interstellar، ويُمكن اعتباره درسًا في علوم الفضاء والفيزياء وقوانين الكم، بدءًا من كوكب الأرض الذي يصارع الزمن للنجاة، مرورًا بمشاهدة أبطال الفيلم أنفسهم على الأرض من خارج الزمن، ووصولا لتباطؤ الزمن بمعدلات كبيرة كلما اقتربنا من الثقب الأسود، يُظهر نولان من خلال الفيلم كيف يُمكن أن يؤثر الزمن على كل شيء، يُغير المشاعر فيُصبح الحبيب عدوًا، وتتحول الابنة إلى جدة مقارنة بعمر أبيها، باختصار؛ بدا نولان وكأنه يرغب في توجيه رسالة ضمنية عبر Interstellar، بأن الزمن هو كل شيء.. وكل شيء.



