سوشيال ناس

احترس.. الألعاب الإلكترونية تدفع إلى القتل أحيانًا

«أحبك يا أمي ويا أبي.. كان يجب أن أتبع الرجل الأسود ذا القناع». كانت هذه آخر رسالة تركها طفل في الـحادية عشر من عمره، على التابلت الخاص به لوالديه، قبل أن يقفز من الطابق العاشر لإحدى البنايات في مدينة نابولي الإيطالية، في الساعة الواحدة صباحًا. نتيجة اتباعه تحديات مرعبة ومخيفة ضمن إحدى الألعاب الإلكترونية العنيفة التي تحض لاعبيها على الانتحار.

اتبع الطفل شخصية خيالية على الإنترنت تُدعى جوناثان جاليندو، شخصية غامضة متنكرة في هيئة كلب شبيه بالبشر في غطاء مظلم، يحض الأطفال على القيام بأعمال متطرفة وخطيرة، تتزايد تدريجيًا في كل مستوى حتى تبلغ ذروتها عند انتحارهم.

يحث «جاليندو» اللاعبين على إيذاء أنفسهم أو تعريض أنفسهم لخطر مميت مثل الوقوف على حافة برج، وصولًا بالتحدي الأخير هو مطالبة المستخدم بقتل نفسه. تمت مقارنة «جاليندو» مع تحدي «الحوت الأزرق»، الذي يحدد 50 مهمة على مدار 50 يومًا قبل حث المستخدمين أيضًا على قتل أنفسهم.

انتحار طفل بسبب لعبة الكترونية
انتحار طفل بسبب لعبة الكترونية
شنقوا أنفسهم بسبب الحوت الأزرق

دفعت لعبة الحوت الأزرق الموجودة منذ عام 2015، أكثر من 130 شابًا في جميع أنحاء العالم إلى تشويه أجسادهم بآلات حادة، وتتدرج المستويات العنيفة وصولًا بأمرهم في المستوى الخمسين بشنق أنفسهم أو رمي أجسادهم من المبنى.

كانت من ضمن هذه الألعاب الاكترونية لعبة «جنية النار» التي تحث الأطفال على حرق أنفسهم بالنار حتى يتحولوا لجنيات نار، وأيضًا لعبة «مريم» التي تطرح أسئلة شخصية عن حياة الطفل، حتى تطلب منه مقابلة والده بمفرده في غرفة مظلمة ثم تحضه على الانتحار.

ويُعتقد أن «تحدي مومو» أعاد هذه الظاهرة بعد الإبلاغ عنها لأول مرة في يوليو 2018. وشهد «تحدي مومو» مطاردة المستخدمين بصور مخيفة ورسائل عنيفة تؤدي إلى دعوة اللاعبين لقتل أنفسهم. يُزعم أنه تم الاتصال بالمستخدمين عن طريق شخصية خيالية على الواتس آب قبل أن يتم ملاحقتهم بالصور المخيفة والرسائل العنيفة، لكن تم الكشف عن هذا منذ ذلك الحين على أنه خدعة.

لا يزال التحقيق في انتحار الصبي جاريًا لكن السؤال الذي دفعني لكتابة هذا الموضوع ليس الخبر في حد ذاته، بل فضولي في أن أعرف كيف تستطيع تلك الألعاب السيطرة على عقول هؤلاء الأطفال؟ كيف يؤذي الأطفال أنفسهم بأيديهم بسهولة تامة دون خوف أو تردد؟ إنها أشبه بمخدر يصيب العقل، تنويم مغناطيسي، سيطرة تامة وطاعة عمياء حتى في قتل النفس!

رأي الطب النفسي في كيفية تأثير الألعاب الإلكترونية على عقول الأطفال

تقول الدكتورة أماني الفلوجي أخصائية الطب النفسي، عن كيفية تأثير الألعاب الإلكترونية على عقول الأطفال. لدرجة تجعله يشوه جسمه بموس حاد، أو يقطع شرايينه، أو يرمي نفسه من عقار. وأوضحت أنه طبقًا لتصنيفات الدليل التشخيصي والاحصائي للاضطرابات النفسية أو ما يعرف ب DSM-5 أن تلك الألعاب تندرج تحت قائمة الإدمان الكامل. والطفل الذي يلعبها مدمن بالفعل كمدمن المخدرات مثًلا. إنه غائب عن الوعي بشكل ما الأمر أشبه بالتنويم الإيحائي. غياب عن الوعي وخضوع تام. يصبح الطفل دمية في يد اللعبة، بالشكل الذي يجعله يمتثل لأوامرها حتى لو أمرته بالانتحار.

أما عن سيكولوجية الطفل الذي يقدم على تلك الألعاب. وكيفية عدم شعوره بالخوف في إيذاء نفسه. قالت: «الخوف غير موجود لأن القلب غير حاضر. هذا الطفل يشعر بالعدمية، يعاني من عدم وجود هدف لحياته. لا ينتمي لأي مجموعات إيجابية. لا يجد نفسه في شيء نافع، بالإضافة إلى إحساسه الكبير بالتهميش من قبل أهله ومحيطيه. لديه رغبة عميقة في الظهور وأن يتم تسليط الضوء عليه حتى لو من خلال عمل سلبي، إنه فشل في الحفاظ على أي شيء إيجابي داخله فلجأ أن يكون سلبيًا. إنه مهمش بشكل كارثي، فأصبح قنبلة ذاتية من الداخل في إيذاء نفسه».

طبيعة الأسر التي ينشأ فيها هؤلاء الأطفال

وعن طبيعة الأسر التي ينشأ فيها هؤلاء الأطفال المُستعدون لإنهاء حياتهم عن طريق لعبة. نوهت الدكتورة أماني الفلوجي: «غالبا يعيش هؤلاء الأطفال في أسرة ينفصل فيها الأب عن الأم وجدانيًا أو عاطفيًا. والانفصال العاطفي أخطر من الانفصال الفعلي أو الطلاق. لأن الانفصال العاطفي يعني اكتفاء كل فرد فيهما بنفسه. وانطوائه عليها وعدم رغبته في إبداء اهتمام بالطرف الآخر ومن ثم بعد تام وانفصال وجداني».

وبالتالي لا يجد هؤلاء الأطفال الاهتمام ولا الاحتواء الكافي من الأهل. وتنصح الطبيبة في النهاية الأهالي بضرورة الاحساس بأبنائهم واحتوائهم. وتقديم الدعم والرعاية لهم، وإبداء الاهتمام الكافي والمحبة غير المشروطة لهم وملاحظة سلوكياتهم باستمرار إن انحرفت. فالأطفال الذين يخضعون لتأثير تلك الألعاب، تميل طبيعتهم غالبًا إلى الانعزال التام، كما يعانون -في صمت- من فراغ تام في حياتهم يجعلهم ينفصلون عن أسرهم، وعن الحياة بأكملها شيئًا فشيئًا. فعلى الآباء والأمهات الانتباه لأبنائهم قبل فوات الأوان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى