هل يستحق التلفزيون أن نحتفي به في يوم عالمي؟

علي مدار يومي ٢١ و ٢٢ نوفمبر عام ١٩٩٦؛ عقدت الأمم المتحدة أول منتدى عالمي للتلفزيون، بمشاركة عددٍ من الشخصيات العالمية في مجال الإعلام. لمناقشة دور التلفزيون في تغيير العالم، وكيفية تعزيز التعاون بين الشعوب، من خلال هذه الوسيلة الإعلامية الفريدة.
حسنًا.. أعرفُ أن كلامَ المؤتمرات والندوات الرسميّ؛ مضحكٌ أحيانا. ولنفكر كيف يمكن أن تعزز الدول علاقاتها عن طريق التلفزيون؛ ونحن جيل الثمانينيات -على سبيل المثال- كان أكثر ما يمثله التلفزيون بالنسبة لنا هو بعض المسلسلات وفوازير رمضان؟
دعوني أكمل لكم ما حدث في المؤتمر قبل ٢٤ عامًا، حين قررت «الأمم المتحدة» أن يكون هذا اليوم احتفاءً بالفلسفة التي يُعبر عنها التلفزيون. فقد غدا رمزا للعولمة، وطفرة في مجال الاتصالات في التسعينيات. ولقد حققت خدمات البث التلفزيوني تنوعًا في الفنون الإعلامية مثل نشرات الأخبار والبرامج الحوارية والبث المباشر. وكلها خدمات أتاحت للإنسان آنذاك القدرة على معرفة ما يدور في العالم في وقت قياسي.
بدايات التلفزيون
ورغم أن بريطانيا هي أول من أطلقت خدمة بث تلفزيوني منتظم؛ من خلال هيئة الإذاعة البريطانية BBC عام ١٩٣٦. لكن الخمسينيات من القرن الماضي تعتبر هي الفترة الذهبية التي عبر فيها التلفزيون عن نفسه كوسيلة اتصال مهمة وحيوية أكثر من الراديو.
وفي عام 1952؛ غطت شبكة قنوات «CBS» الأمريكية؛ الانتخابات الرئاسية، والتي فاز فيها دوايت آيزنهاور. ولم يقف التلفزيون عند دور التغطية والبث فقط؛ بل استضاف المحللين، وأنتج تقارير واستطلاعات الرأي. ولعب التلفزيون دورا كبير في توقعات الانتخابات الرئاسية؛ ففي عام 1960م رجح كفة فوز «كيندي» على منافسه نيكسون. وهو ما صاب بالتأكيد وحجز مكانا هاما لهذه الوسيلة السحرية.
وفي العالم العربي؛ يعتقد البعض أن مصر هي أول دولة عربية تطلق خدمات البث التلفزيوني باللغة العربية. لكن الحقيقة أن العراق هو أول تلفزيون عربي بدأ بثه عام ١٩٥٤. تلته الجزائر، ثم مصر. وقد كان العدوان الثلاثي علي مصر سببا في تأخر العمل علي إنشاء التلفزيون حتي أواخر الخمسينات.
تطور دور التلفزيون مع الزمن، من كون أداة للتغطية وإعلام الناس بما يدور حولهم فقط. وسرعان ما أدرك باحثو الاتصال أن هذه الأداة الخطيرة يمكن أن تلعب دورًا أكبر من ذلك.
هل التلفزيون خطير لهذه الدرجة؟
أتذكّرُ محاضرةً عن تأثير التلفزيون، للدكتور عاطف العبد أستاذ الاذاعة والتلفزيون -رحمه الله- قال لنا: «عارفين إعلانات معجون الأسنان يا أولاد؟ لما تلاقي الراجل في الإعلان واقف مبسوط كدا وبيحط معجون على الفرشة كلها مع إننا كلنا عارفين إن شوية معجون صغيرين هيقوموا بالواجب، لكن ليه الراجل دا بيحط معجون كتير بطول الفرشة كلها؟ هو هنا بيرسخ لسلوك استهلاكي بحت. والسلوك دا كلنا بشكل غير واعي هنجب نقلده ونعتقد إن دا هو السلوك الصح.. ودي نظرية مهمة جدا اسمها الرصاصة السحرية». وبالفعل تذكرتُ كم كنتُ أحاول وانا صغيرة دائما أن أحاكي إعلانات معجون الأسنان. وأن أضع على الفرشاة بطريقة محترفة، لكنني لم أصدق أن التلفزيون له مثل هذا الدور السحري.
صاغ عالم الاتصال الأمريكي هارولد لازويل نظريته «الرصاصة السحرية» أو «الحقن بالإبرة» لتكون اهم نظرية إعلامية في العالم. وتقوم هذه النظرية على فرضية أن مرسل الرسالة الإعلامية يمكنه غرس فكرة معينة في جمهور عريض من المتلقين من خلال التكرار المكثف للفكرة، حتى تتحول الفكرة إلى وعي وكيان الجمهور ثم إلى سلوكياته. يمكنكم أن تقيسوا هذه النظرية على كل شيء في حياتنا، وسلوكياتنا، وملابسنا، واستهلاكنا للطعام.
أتعلم أنه يمكن للتلفزيون أن يخبرك أن هناك حربًا تدور في منطقة معينة، بالتأكيد ستجد نفسك لا إراديا لا تود السفر إلى هذه المنطقة حتي لو لم تتأكد بعينيك ان هناك حربا بالفعل! وحتى لو أكد لك أحد سكان هذه البلد أنه لا حرب هناك ستصدق التلفزيون!
انظر الي الموضة مثلا ملابس الشباب، تسريحات الشعر وغيرها. كلها أمور نقتبسها من الموسيقي المصورة والأفلام والدارما كما أن كل أفكارنا عن العالم الخارجي نستلهمها من نشرات الأخبار والبرامج الحوارية.
ولقد قادت دول العالم حروبا شرسة من خلال استخدام التلفزيون كخط هجومي أول. من خلال زرع الأفكار والصور الذهنية في عقول الجماهير، وحين تذهب هذه الدول لتفعيل الحرب الفعلية يكون الأمر سلسا وسهلا عليها.
ربما يعتبر التلفزيون أكثر خطورة من الإنترنت، لإنه كان وسيلة اتصال في اتجاه واحد. فكان العالم يستقبل الرسائل الإعلامية فقط. دون إرسال وجهة نظره أو البحث عن الحقيقة كما نفعل نحن في عالمنا الحالي. وهو ما غير ملامح وثقافات شعوب، ورسخ لأفكار وسلوكيات ربما لو لم يكن التلفزيون موجودا ما ظهرت أبدًا.


