الرقص الشرقي.. فن أم مجون؟

ازدهر الرقص الشرقي في مصر في القرن العشرين. وساهمت السينما في إحياء فن الرقص الشرقي. خاصة مع ظهور أيقونات مثل سامية جمال وتحية كاريوكا.
في قاعة أفراح بالقاهرة، تألقت الراقصة الروسية أناستازيا بيسيروفا. ترتدي تنورة مشرقة عالية، وقميص صدر مزين بالترتر. ترفع شالها الوردي الشفاف وتعتلي مسرح، بينما تعزف الموسيقى. وبمجرد ما تبدأ الرقص؛ ينهمك الحضور في تصفيق حماسي. تقول «أناستازيا» لوكالة «فرانس برس»: لا توجد دولة في العالم تُقدر الرقص الشرقي مثل مصر.
يؤكد الباحثون إن المجتمع المصري ينظر إلى الرقص على إنه مجردة وسيلة للترفيه. ولا يعتبرونه مهنة مستقلة. ومع ذلك هناك اتجاه متزايد لدعوة الراقصات الأجنبيات لإحياء فن الرقص الشرقي في حفلات الزفاف والملاهي الليلية. ويُذكر أن بيسيروفا جاءت إلى القاهرة منذ أكثر من أربع سنوات وبنت لنفسها اسمًا راسخًا بجانب نجمات الرقص الشرقي في مصر.
مصر مهد الرقص الشرقي
سيطرت الراقصات الشرقيات من أوروبا الشرقية وروسيا وأمريكا اللاتينية مؤخرًا، على المشهد في مصر. حيث تشهد مصر مؤخرًا تقلص مجتمع الراقصات. ويرجع ذلك إلى تدهور سمعة المهنة بين أوساط العامة. إضافة إلى دخول مصر لموجة التحفظ منذ نصف قرن تقريبًا.
ومؤخرًا؛ تعرضت مهنة الرقص في مصر؛ لضربة أخرى. حيث أدى تفشي فيروس كورونا الجديد في مصر إلى تعليق مؤقت لحفلات الزفاف الكبيرة وإغلاق النوادي الليلية. وعلى ذلك استمرت بعض الراقصات في جذب انتباه الجماهير، بمقاطع فيديو عبر الإنترنت.
آراء متضاربة
قالت الراقصة البرازيلية ماريا لورديانا: إن الأمر استغرق منها وقتًا حتى تتصالح مع وجهة نظر المصريين المتضاربة بشأن مهنتها.
قدمت عروضها أمام حشود متحمسة في حفلات الزفاف والنوادي الليلية، بل إنها كانت تدرس في فصول رياضية.
وقالت: البعض لم يرونني كواحدة تؤدي مهنتها، يعتقدون أنني لم أحصل على تعليم مناسب، وأمارس الرقص لأظهر جسدي مقابل المال. كان الأمر صعبًا ومحزنًا للغاية لأنني قضيت سنوات في التعلم.

الثقافة الشعبية تنظر للراقصات على أنهن عاهرات
قالت شذى يحيى، مؤلفة كتاب عن تاريخ الرقص لعام 2019 إن هذا الرأي عززته الثقافة الشعبية والأفلام التي تصور الراقصات الشرقيات على أنهن عاهرات، أو مومسات، أو خاربات منازل. وغالبًا ما تحمل المصطلحات العربية للراقصات -رقصات وعوالم- دلالات هجومية ومفجعة.
في الآونة الأخيرة، استهدفت السلطات الراقصات ومغنيات البوب ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي الذين نشروا مقاطع فيديو على الإنترنت. كثيراً ما تضمنت التهم الموجهة إليهم انتهاك “القيم العائلية” أو “الآداب العامة”.
لم يسلم الأجانب من القمع
في عام 2018، تم إلقاء القبض على الراقصة الروسية إيكاترينا أندريفا- المعروفة باسم جوهرة – لفترة وجيزة لارتدائها زيًا وصفوه كاشفاً للغاية، بعد انتشار مقطع فيديو لأدائها على نطاق واسع.
وفقًا ليحيى وباحثين آخرين، يُعتقد أن الرقص الشرقي في مصر قد ازدهر بشكل خاص خلال القرن التاسع عشر.
قالت يحيى: كان يُطلق على الراقصات في ذلك الوقت”عوالم”، في إشارة إلى معرفتهم الواسعة بفنون الغناء والرقص.
وأضافت: أن مظاهرها في العصر الحديث شكلها الغربيون جزئيًا خلال الحقبة الاستعمارية حتى أن البعض يجادل بأن مصطلح “الرقص الشرقي” ابتكره الفرنسيون في الأصل.

دمج الرقص الدولي بالشرقي
قالت يحيى: رسم الكُتاب والرسامون الأجانب تخيلاتهم الخاصة عن الراقصات الشرقيات. أثارت تلك الآراء تخيلات في الغرب الذي سعى فيما بعد إلى تحويلها إلى واقع.
تم دمج حركات الرقص الدولية في الرقص الشرقي، وتم تعديل الأزياء لتناسب الأذواق الشعبية.
الآن، ينظر المحافظون والتقليديون إلى التنانير الشاش والقمصان البراقة التي ترتديها الراقصات على أنها كاشفة للغاية، وغالبًا ما يتهمونهم بأنهم مبتذلين وجنسيين بشكل علني.
كما أصبح أداء الراقصين للموسيقى العربية الكلاسيكية أمرًا نادرًا، وبدلاً من ذلك يفضلون عادةً المهرجانات وهو نوع من الموسيقى ذات الإيقاعات السريعة والغناء المرتجل الذي يُعتبر تجاوز للحدود الأخلاقية.
على الرغم من التناقضات الظاهرة، تقول الراقصات الشرقيات الأجنبيات في مصر إن المجيء إلى البلاد كان الخيار الصحيح. قالت الراقصة الشرقية الأوكرانية ألا كوشنير: يجب على الأجانب القدوم إلى هنا لفهم وأداء وممارسة هذا الفن. مصر ببساطة أرض الرقص الشرقي.



