واقع دراسة الأدب في مصر.. هل يهبط الكاتب من السماء؟

هل يُمكنك صناعة كومبيوتر دون معرفة سابقة بالأسس العلمية التي ينهض عليها؟ أو بناء منزل دون دراسة قواعد الهندسة كعلم له أصول ومبادئ؟ وبالنظر إلى كتابة القصص والروايات؛ كيف يُصبح المرءُ كاتبًا حقيقيًا دون معرفة سابقة بالأسس والمبادئ النقدية لفن الكتابة؟
تقول الكاتبة والمحاضرة هالي بيرنت، والمشرفة على مجلة «The Story» الأمريكية لأكثر من أربعين عامًا، «بداخل كل منا قصة واحدة على الأقل تُستحق أن تروى». مُشيرة إلى أهمية الدورات وورش الكتابة الإبداعية في صقل أدوات الكتابة ومساعدة الكاتب في تقديم عمله الأدبي بالشكل الفني اللائق.
ومع الزمن أصبح “كورس” الكتابة الإبداعية برنامجًا للدراسة في عدد من الجامعات الكبرى، مثل جامعة كولومبيا والتي تخرج فيها عدد من أبرز أدباء القرن العشرين، مثل آلان غينسبرغ والذي يُعد مؤسس قصيدة النثر الأمريكية، وجي دي سالينجر صاحب الرواية الشهيرة «الحارس في حقل الشوفان»، والشاعر الإسباني فريدريكو غارسيا لوركا. وكذلك مدرسة الكتابة الإبداعية في جامعة “إيوا” والتي تخرج فيها أكثر من 17 كاتب وكاتبة حصدوا جوائز البوكر والبوليتزر وغيرها من الجوائز الدولية في مجال الأدب.
ورغم اتساع التقدير الأكاديمي لجهود الكاتب في أمريكا وبعض الدول الأوروبية، إلا أن العالم العربي مازال يحصر دراسة الآداب والفنون في أسلوب الدراسة التاريخي، ولا يمنح الدرجات العلمية إلا على الأبحاث الأكاديمية. في حين أنه منذ السبعينيات ظهرت في عدة جامعات أمريكية وأوروبية شهادات مثل الـ MFA وهي درجة الماجستير بناء على الإنتاج الإبداعي وليس البحثي، وتمنح في الفنون الجميلة والآداب بما في ذلك الكتابة الإبداعية، والتصميم الجرافيكي والتصوير الفوتوغرافي، وصناعة الأفلام، والمسرح وفنون الآداء المختلفة. وفي بعض الحالات، إدارة المسرح أو إدارة الفنون. وتعتبر أعلى درجة في مجالها، وتؤهل الفرد ليصبح أستاذًا على المستوى الجامعي في هذه التخصصات.
يقول الروائي طارق الطيب، والمحاضر في “الكتابة الإبداعية” في عدد من الأكاديميات والمؤسسات في النمسا وخارجها، إن النشاط المهني للكاتب له اعتبار تقديري، ومن الممكن للكُتّاب المعاصرين المشاركة في محاضرات كثيرة في المدارس والجامعات لطلاب الآداب أو أقسام الترجمة أو حتى في تخصصات أخرى كالفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والنفس وغيرها. وفي الكثير من الدراسات الفنية التي تقدم شهادات MFA تعتمد على الجانب العملي بالطبع. ولكن التحصيل الدراسي ضروري والنظريات الفنية لها أهميتها.
ومنذ نشأة الجامعة المصرية وهي تدرس الأدب من الوجهة التاريخية، وليست العملية أو التطبيقية؛ ونادرًا ما يُعتد بالنشاط المهني للكاتب لدراسة أو تدريس الأدب، حتى يتهمها البعض بأنها منفصلة عن الواقع. يقول الروائي والناقد سيد الوكيل: «إننا في كلية الآداب درسنا ابن طباطبا والجرجاني وغيرهم دون أن نعرف شيئًا عن أدب طه حسين أو نجيب محفوظ مثلا. وطوال مراحل الدراسة لم نعرف شيئًا عن شعر النثر ولا يتم التوقف أمام تجارب شعر العامية، وكثيرًا ما يعتمد الكاتب الحقيقي على تحصيله الشخصي خارج المؤسسة الأكاديمية».
ومع الزمن أصبح اقتحام مجال الكتابة أمرًا يسيرًا خاصة في ظل التوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ والتي وفرت مساحة لكل شخص يكتب فيها ما يشاء، فهل هذا كافٍ كي يصبح المرءُ كاتبًا؟

«لقد هبط يوسف إدريس من السماء، لا أعتقد أنه فكر مرة في نظرية أو أداة، هو من اخترع أدواته». هكذا يقول الكاتب والروائي وحيد الطويلة، مضيفًا: «وكذلك في حاضرنا الراهن من أمثال أنيس الرافعي وعبد الله الناصر وزهير كريم وطارق إمام ومحمد الفخراني وعزت القمحاوي وعبير إسبر وزياد خداش. يكتبون نصوصا عصية على أن تستوعبها نظرية واحدة ويخترعون أدوات ليست في الكتب». ويوضح «الطويلة» أنه بفرض أن كاتبا درس نظريات الأدب كلها وتعمق في الأساليب وجرى خلف لغات مختلفة يكتب بها آخرون؛ هل سيستطيع حينها أن ينجز نصا باهرا كاملا؟ ويضيف: «تحضرني واقعة البساطي الكاتب المغبون.. في مرة قرر أن يكتب تفاصيل كل شخصية وبعض حواراتها في صفحة لكل منها، وحين انتهى منها لم يجد شيئا يكتبه في الرواية!».

يقول طارق الطيب: «قمت بنفسي بالتدريس الإبداعي ضمن (برنامج الكتابة العالمي) IWP (International Writing Program) في أيوا سيتي بأميركا ضمن برنامج (بين السطور) BTL (Between The Lines)، مرتين في عامي 2009 و2010 للمواهب الإبداعية القادمة من بعض الدول العربية في مجموعات صغيرة من 12 طالب وطالبة في المراحل قبل الجامعية. المهم في الأمر، هو توافر الرغبة الحقيقية لتعلم بعض المهارات الإبداعية أو تقويتها من خلال تقوية اللغة والأسلوب، وتقديم بعض النصائح، وليس تعليم الكتابة بشكل مدرسي، وإنما متابعة عمل المشارِكة أو المشارِك وتطويره إلى الشكل الأفضل، وينبغي أن يتمتع الطالب بالرغبة والموهبة؛ فبدونهما فإن الشروع في ممارسة الكتابة الإبداعية سيكون عسيرا.
أساتذة الإبداع
مسألة تطوير المناهج الأكاديمية تُثار في الشرق والغرب طوال الوقت، ولكن في الولايات المتحدة وفرنسا على سبيل المثال، لوحظ أن الاستعانة بالمبدعين الذين ينتجون الأعمال الأدبية ويؤسسون المدارس والاتجاهات الحديثة في الكتابة، يساعد على تطوير المناهج الأكاديمية، وأساليب التدريس. فهل تمانع الجامعة المصرية أن يشارك مبدع من خارج الحقل الأكاديمي للتدريس داخل الجامعة؟

يقول الناقد الدكتور شريف الجيار أستاذ الأدب المقارن في جامعة بني سويف: «بالطبع لا يوجد مثل هذا المانع. وهناك تجارب عديدة على ذلك. منها مشاركة فاروق شوشة ويعقوب الشاروني في مناقشة بعض رسائل الماجستير والدوكتوراة». ويشير إلى أن الكاتب الخبير، والمتحقق في مجاله، قد يستضاف لإلقاء محاضرة أو يستعان به لتدريس مادة التخصص في الجامعة، وهناك أمثلة عديدة على ذلك في بعض الجامعات المصرية سواء الحكومية أو الخاصة. ولكن هل هناك معايير واضحة لتحديد من هو الكاتب الخبير، أو متى يصبح متحققًا؟
يقول سيد الوكيل إن المجال الأكاديمي لا يحترم الإبداع، هناك إصرار غريب على استرجاع الماضي، والانغلاق على آراء قديمة لا تطور، فالكثير من الأكاديميين منغلقين على صورة يوسف إدريس مثلا صاحب قصة نظرة كما يقدم في المدارس، رغم أن الأبحاث الجديدة في تحليل الأدب تجاوزت هذه «النظرة» منذ سنوات طويلة.
ويؤيد شريف الجيار أن تدريس الأدب في الجامعات المصرية يحتاج إلى تطوير، ومواكبة للمشهد المعاصر، ولكنه يوكد على أن العامل الرئيسي في هذه المسألة هو الأستاذ الأكاديمي نفسه. مؤكدًا أن الجامعة المصرية لا تقف ضد المبدعين ولا تقيم أمامهم سدودًا أكاديمية هي بطبيعة الحال غير موجودة بالفعل.

يقول الروائي طارق الطيب: «أعتقد أن المؤسسات المعنية بتدريس الإبداع في العالم العربي ينقصها التمويل الكافي والاستقلالية. القدرات الإبداعية عندنا في الشرق في القمة، رغم الظروف الصعبة التي تقابل المبدعين جميعا. لكن هنا في فيينا مثلا هناك مدرسة اسمها مدرسة الشعر، أو بالألمانية schule für dichtung وبالإنجليزية vienna poetry school، وهي ليست تابعة للنظام التعليمي الرسمي وإن كانت تحصل بالتأكيد على ميزانية تخصها. ووضع الكتابة الإبداعية أفضل بكثير لوجود الكثير من المنح السنوية والشهرية والجوائز، وهي في مجموعها أكثر بكثير من كل ما يقدم في العالم العربي في عددها وفي ميزانيتها في دولة عدد سكانها 9 مليون نسمة».
لماذا لا تكون لدينا كلية للكتابة الإبداعية؟
يقول الروائي وحيد الطويلة: «أفكر في حل سحري يجعل الكتاب عندنا كتابا محترفين، ولا أجد سوى سابقة يتيمة عندما حصل الجوهري بفريقنا القومي على كأس إفريقيا بدعاء الوالدين، وعندما هبط من الطائرة كان أول تصريح له إننا والحمد لله سنبدأ تجربة الاحتراف تحت رعاية السيد الرئيس».
ومن ناحية أخرى يعتقد الدكتور شريف الجيار أن وجود كلية متخصصة في الكتابة الإبداعية سيعطي فرصة للكتاب المصريين للتواصل مع نظرائهم في الغرب، ومع الأشكال العصرية للكتابة، والمدارس والاتجاهات الحديثة، وسيساعد أكثر في تطوير الموهبة المحلية لتصبح عالمية.
ويؤيد هذا الرأي الروائي فريد عبد العظيم، والمعروف بروايته «يوميات رجل يركض» والمُختارة مؤخرًا للترجمة ضمن برنامج تابع للاتحاد الأوروبي، حيث يرى أن الدراسة الأكاديمية ينحصر دورها غالبا في توفير الوقت على الكاتب المبتدئ للإلمام بأصول الإبداع. مؤكدًا: «أصبحت أكثر احترافية بعد انخراطي في الورش الإبداعية، واستطعت أن أقيم رواياتي وأحدد نقاط الضعف والترهل».
سر الكتابة

مسألة الكاتب الموهوب تمامًا، مشكوك فيها، فالدراسة مهمة، سواء بشكل ذاتي أو مؤسسي، هكذا يرى الروائي والناقد سيد الوكيل موضحًا: «قد يخلق الاعتماد على مناهج دراسية محددة؛ نماذج نمطية من الكتابة الأدبية، ولكن بالتأكيد سيساهم تدريس الأدب بطريقة علمية في رواج صناعة الأدب، وإمداد السوق طوال الوقت بأنماط أدبية رائجة مثل ما شهدناه مؤخرًا من رواج روايات الرعب والخيال العلمي والبوليسي».
ويرى شريف الجيار، إن نجيب محفوظ نفسه لم يمانع بكل خبراته في الكتابة أن يعرف الجديد في مجاله دومًا، وهذا بالضبط ما تتيحه دراسة الكتابة الإبداعية من فرصة للكتاب للتواصل مع الجديد والمختلف دائمًا. مُضيفًا: «لا يعرف الكاتب كل شيء، ويجب عليه أن يرى الآخرين كيف يكتبون، وألا يضع حدودًا أو أطرًا في التواصل مع تجارب الآخرين الإبداعية».
ويشير الروائي وحيد الطويلة إلى الكتابة في أحد أهم تجلياتها أنها قطع مع كل النظريات، حيثُ «يحلق الكاتب ثم تأتي وراءه كل النظريات، فالكتابة نفسها سر ذاتي من الصعب أن تجده في كتاب أو نظرية».



