فضيلة التطور

لا أدري كيف لا أشعر بالحزن وأنا أرى البكائيات على حال الصحافة الورقية التي انهارت بالفعل، وليست آيلة للإنهيار، وقضت عليها الصحافة الإليكترونية ومنصات السوشيال ميديا، وانتقد نفسي كيف لا تقف بجوار أبناء جلدتك الأولين وهم يعانون.
وتتمنى لهم أن يستعيدوا عافيتهم، وأن تعود صاحبة الجلالة لعرشها القديم، فالخبر الحزين للكافة وما تناقلته صفحات السوشيال ميديا عن صدور الصفحة الأولى لصحيفة النهار اللبنانية العريقة خاوية بيضاء، لم يحرك في ساكناً وأرى كل ما يحدث ما هو إلا نتيجة طبيعية جداً، لمن رفضوا التطور، أو لمن استهانوا بكرة الثلج عندما كانت لا تزال في أيديهم، وقبل أن تسقط من قمة الجبل.
ولهذا أيضاً لا زلت استمع إلى عمرو دياب، الذي خاض بكل جسارة حرباً ضروساً ضد 3 أجيال أتت بعده، ظهرت المهرجانات وموسيقى الأندرجراوند والفرق الشبابية وتغير سوق الكاسيت واكتسحت السوشيال ميديا كل الصناعات، بزغ اليوتيوب والساوند كلاود بعدما أصبح الـCD موضة قديمة، وللعمليين هناك الفلاشة في السيارة، المجد لمن قرأ الطالع، واستشرف المستقبل واجتهد وذاكر، لأنه في النهاية هو من يبقى ومن يستمر، ومن يكتب التاريخ.
فهل جميعنا نتمتع بهذه الفضيلة؟ التطور !!، بالتأكيد لا، لأنها تحتاج إلى مهارات خاصة، استيعاب للعالم من حولنا، غوص متعمق في أبعاد ما تفعل، لأن العالم الآن أصبح لا يرحم، ولا ينتظر أحد، بالفعل الكون يدور الآن كشعاع ليزر يخترق الآفاق ينتقل في ثوان من هونج كونج إلى بيروت ومنها إلى نيويورك، ليعود مرة أخرى قبل أن تدرك أنه مرة أمام عينيك مرتين. لهذا أشعر بفخر شديد أني كنت أحد العاملين في مشروع «حياة جديدة» منذ بدايته، منذ لحظات الميلاد الأولى، المخطوطة الأولى والثانية حتى الوصول إلى الشكل النهائي، تماماً مثل رسالة ماجيستير مصغرة عن أحوال الفقر والسيدات المعوزات في بلادنا. أتذكر جملة الفنان أحمد حلمي في فيلم «ألف مبروك» تيجي معايا وأنا بغير الواقع، لأن كل ما حدث هو عملية تغيير جذرية في واقع مؤلم، في طريقة حياة وتفكير ومعيشة آلاف السيدات الفقيرات، كيف تقنعهن أنهن أقوى من أي وصمة، كيف تثبت لهن أن المجتمع لن ينظر لهن إلا بالطريقة التي ينظرون بها لنفسهن، أنهن يمتلكن زمام الحياة.
ولم لا؟ فالتركيبة والأساس الذي بني عليه مشروع «حياة جديدة» كان يهدف إلى التكامل، الأقرب إلى الكمال، فالتمكين الاقتصادي مع التأهيل النفسي والترفيه والتوعية ودراسة الحالة كل منها على حدى كأنها مشروع منفصل بذاته كلها آليات دفعت بالنجاح قدماً، وبالحصاد الأكبر في تبني العديد من الجهات سواء من المجتمع المدني أو الحكومة أو الرئاسة لتفاصيل المشروع كمنهجية لها في التعامل مع قضايا الفقر في مصر، لأن الريادة كانت دائماً في صالح جمعية رعاية أطفال السجينات.
في البدء تصورت أن ورشة المشروع داخل سجن القناطر ستكون الحلقة الأقوى في المشروع، ولأنها كانت خطوة رائدة في تعاون فريد مع وزارة الداخلية المصرية، إلا أن حاضنة الأعمال التي تم تأسيسها كانت المكملة لها، كأنهما عزف منسجم مع بعضهما البعض، كلمات السيدات المستفيدات عن التأهيل النفسي طوال 4 سنوات، وكيف ساعدهن على معرفة أنفسهن، مواطن قوتهن، إدارة الوقت، السيطرة على الغضب، بالإضافة إلى صقل مهاراتهن وتعليمهن حرفة، وأنشطة الأطفال من غناء ورسم وحكي، كلها تعزز هذه الفضيلة، التطور، لأنه في النهاية جاء التحالف الوطني لحماية المرأة بالقانون، ليصل إلى جوهر القضية والمشكلة، التعديل التشريعي، الذي عقدنا له 4 موائد مستديرة ومنتدى كبير لإيصال صوتنا للمجتمع، وبعدها تبنى نفس التعديل والمطالبات 5 نواب بمجلس الشعب، والعديد من الجمعيات والمؤسسات، لا أقول أن الفكرة تم نسخها أو سرقتها، لكننا نجحنا في أن نلقي حجر في الماء الراكد، لتصعد القضية إلى فضاء الاهتمام الإعلامي، لتجد من يتحدث عنها في أكثر من محفل.
تحية كبيرة إلى الأديبة نوال مصطفى، وفريق العمل وعلى رأسه الأستاذ طارق عيسى والأستاذ لطيف شاكر، ومينا معوض وشنودة إبراهيم وكريم سلامة وأحمد عبد الرحمن وسمر أحمد وريهام صابر وشيرين ؟؟ ود. هبة خطاب ود. سعاد هلال، ورامي يوسف، لأنهم بروح الهواة وشغف المغامرين سطروا نجاحاً كبيراً باحترافية ومهنية بالغة، لأنكم استطعتم أن تغيروا الواقع، لنكم امتلكتم فضيلة «التطور».


