حكايا ناس

والدة أصغر شيف في مصر: ياسين علمني تحويل محنتي إلى منحة

لم تلحظ السيدة منى شكري والدة ياسين، أي أعراض غير طبيعية على ابنها منذ مولده. ولكن في عيد ميلاده الثاني؛ ووسط صخب الموسيقى والهتافات باسمه: ياسين ياسين. لم يبدِ استجابة لمصدر الصوت، كما هو معتاد من الأطفال في ذلك العمر.

كانت الصدمة كبيرة عندما أكد الطبيب للسيدة «منى» أن ولدَها فاقدٌ لحاسة السمع، وبالتالي لن يمتلك القدرة على الكلام أيضًا. صعقتها جملة الطبيب، لأنه دائمًا كانت هناك عشرات المواقف الأخرى التي بدا فيها “ياسين” وكأنه يسمع. فأخبرها الطبيب  أنه طفل ذكي، وإحساسه عالٍ، ويستطيع فهم حركات الشفاه جيدًا. ويمكنه عن طريق اللمس والشم أن يميز كل ما يقوله محدثه. كما يُميّز بإحساسه الناس والموجودات.

ياسين بصحبة أكلاته
ياسين بصحبة أكلاته
بدء رحلة البحث عن حل

تجاوزت صدمتها وقررت التماسك وبدأت رحلتها مع ابنها لتوفر له المناخ المناسب. ولظروف «ياسين» الخاصة والتي يصعب التعامل معها في مدينتهم الإقليمية، سواء من الناحية الطبية أو التأهيلية؛ نقل الوالدان حياتهما إلى القاهرة. حيثُ بحث الأب عن سكن وعمل جديدين، ليتسنى لهما متابعة حالته مع أكفأ الأطباء المتخصصين.

سخر الكثيرون من مجهود الأم قائلين: أنتِ تتعبين نفسك، علميه لغة الإشارة وانتهى الأمر. لكنها كانت تصر أن تتمسك بكل أمل يلوح له ولو من أبعد نقطة في الكوكب. رحلة شاقة بين الأطباء؛ لا تنتهي، حتى بلغ «ياسين» عامه الخامس دون أن ينطق حرفًا واحدًا.

ياسين أثناء تكريمه
ياسين أثناء تكريمه
رغم ضعف النجاح إلا أنه زرع القوقعة

ينصح الأطباء أحيانًا بعض حالات الصمم للجوء إلى زراعة القوقعة. ولكن في حالة «ياسين» كان الطبيب صريحًا مع الأم لأقصى درجة حيثُ أكد لها أن نسبة نجاح العملية لن تتعدى 1%. فياسين لديه مشكلة في المخ تجعل الأصوات تصل إليه مشوشة.

كما تعين إجراء العملية في عمر العامين حتى تكون النتيجة مرضية ولا يتلف الجهاز، لكنها تمسكت بالأمل والصبر والتحدي وجازفت مدفوعة بأمل واحد أن تسمع كلمة ماما.

يتكفل التأمين الصحي بتكاليف عملية زراعة القوقعة للأطفال دون سن الخامسة. وكان يتعين إجراء العملية خلال العام الثاني من عمره. ولكن عندما اتخذ الوالدان القرار الصعب لإجراء العملية لابنهما متحملين كافة النتائج المترتبة على هذه المجازفة؛ كان «ياسين» قد تجاوز الخامسة بشهور. وفقد فرصته في رعاية الدولة لتكاليف إجراء العملية.

وتصل مصاريف العملية في الظروف العادية إلى ربع مليون جنيه. ناهيك عن أن الأجهزة غير متوفرة في مصر؛ بل تأتي من الخارج بعد سداد قيمتها. أما الأطباء المتخصصون في زراعة القوقعة في مصر فهم قلة نادرة للغاية. وهكذا صارت كل السبل أمام ياسين وأسرته ضبابية بعض الشيء.

في رحلة بحثها تعرفت والدة ياسين عبر السوشيال ميديا على السيدة دينا الأشرم. والتي أصبحت فيما بعد صديقة للأسرة. وهي إحدى السيدات اللواتي عانين من ضعف السمع منذ ولادتهما، ولكنها استطاعت إجراء عملية زراعة قوقعة بنجاح في سن مناسبة. وحينها قالت لوالدة ياسين أن كلمة السر من خلال تجربتها عند الدكتور محمد عبد البديع.

قرر الوالدان خوض التجربة على مسؤوليتهما الشخصية. وبالفعل أجرى الدكتور محمد عبد البديع، والحاصل على دكتوراة في زراعة القوقعة، العملية لـ «ياسين». وحققت نجاحًا مبهرا بنسبة 100%.

استمرت الأم في زيارة متخصصي التخاطب وصعوبات التعلم. لتأهيل ياسين لدخول المدرسة. وهو الآن في الصف الرابع الابتدائي. وحافظ لعدد ليس قليلًا من سور القرآن الكريم، ويرتلها ترتيلا جميلا.

الشيف ياسين
الشيف ياسين
أصغر شيف.. وسر عشقه للمطبخ

وفي سؤالها عن علاقة ياسين بالمطبخ. تقول الأم: «ياسين متعلق بي، لا يفارقني معظم الوقت. وهو دائم الأسئلة عن ما هذا؟ ولماذا؟ ومع الوقت لاحظت شغفه بالمطبخ يزداد. ويرغب في التجريب والطبخ بيديه. التجريب وهكذا حرصتُ على تحويل شغفه وعشقه للمطبخ إلى جلسات تأهيل سمعي ولفظي وانتباه للأصوات. فساعده المطبخ على معرفة كلمات جديدة وزيادة حصيلته اللغوية».

يطبخ ياسين بشكل دوري المعجنات والمخبوزات والمعكرونة والفراخ واللحم والمأكولات البحرية. وكُرم عدة مرات من محافظة دمياط ضمن أبرز الشخصيات المؤثرة في عام 2020. وكرمته مدرسته والعديد من المبادرات الاجتماعية. كما صارت أكلاته تنشر في بعض المجلات العربية. وعندما علم الشيف حسن بقصته قرر مقابلته ودعمه.

وراء موهبة ياسين الخاصة، بطولة خاصة من أم لم تكتفِ بالقراءة فقط عن حالته، بل درست دبلومة في مجال التخاطب وصعوبات التعلم. وحاليا تدرس ماجستير في التربية الخاصة. وخلال هذه الرحلة الشاقة كُرمت في مؤتمر زراعة القوقعة، وتحدثت فيه عن تجربتها التي ألهمت غيرها. قائلة: ياسين علمني تحويل محنتي إلى منحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى