نساء في عالم التلحين│تقى طاهر: الموسيقى لا جنس لها

ترتبط الصورة الأولى في أذهاننا عن مجال التلحين، أنه مقصورٌ على الرجال فقط. فقد أبدع فيه كبار مثل محمد عبد الوهاب، ومحمد القصبجي، ورياض السنباطي، وبليغ حمدي، وكثيرون غيرهم. ومع ذلك لم يخلُ تراثنا الموسيقي من نماذج نسائية خاضت مجال التلحين، وقدمت أعمالًا نافست الرجال في غير مواضع، وتركت بصمات بارزة لا يمحوها الزمن.
وتعتبر أم كلثوم واحدة من أول وأشهر النماذج في مجال التلحين في تاريخنا العربي. وقد قدمت أم كلثوم أول تجربة من ألحانها عام 1928م، أغنية «على عيني الهجر» من كلمات أحمد رامي. وفي عام 1936م قدمت من ألحانها أغنية «ياريتني كنت النسيم» من كلمات أحمد رامي أيضًا. ولكن التجربتين رغم قوتهما الفنية إلا إنهما لم تكتبا لـ أم كلثوم الاستمرار في مجال التلحين. فقد كان الزمن يفرض تحديات كثيرة على المرأة في هذا المجال، حيثُ لم تعتد النساء الإسهام فيه كثيرًا. خاصة وأن إمكانات أم كلثوم الصوتية خلبت لب كبار الموسيقيين في الشرق، وتكالبوا كي يبرزوا أجمل ما في صوتها ببديع الألحان والموسيقى.
وفي ثلاثينيات القرن الماضي وضعت بهيجة حافظ موسيقى فيلم زينب عام 1930م. ثم جاءت نادرة أمين، كواحدة من أولى النساء المصريات اللواتي خضن تجربة التلحين بشكل منتظم ومكثف أكثر. حيثُ اتجهت منذ منتصف الأربعينيات إلى تلحين بعض أشعار خليل مطران، وعباس العقاد. واشتهرت بتلحينها أغنية للجيش المصري خلال خوضه حرب فلسطين عام 1948م بعنوان «يا جيش بلادي يا حامي النيل».
أما اللبنانية لور دكاش، فقد تركت ما يقرُب من 90 لحنًا منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى وفاتها في عام 2005م. وفي بداية الخمسينيات تقريبًا؛ تعود المصرية منار أبو هيف من بريطانيا بعد أن نالت شهادة الأكاديمية الملكية للموسيقى في لندن، في التأليف الهارموني والعزف والغناء الأوبرالي. وأصبحت أول قائدة كورال وقائدة أوركسترا عربية عام 1955م. ولحنت ووزعت عدداً من الأغاني، من أشعار صلاح جاهين. ومن أبرز أعمالها: ضاعوا الحبايب، فوق السحاب، نبع الحب، حبيبي فدايا، عصفور جميل، وندوب في الحب.
وخلال السنوات الأخيرة؛ خاضت أعداد ليست كثيرة من النساء مجال التلحين. مثل: عايدة الأيوبي وكاميليا جبران، ودينا الوديدي. وبعضهن حققن نجاحًا كبيرًا من خلال التعاون مع مطربين كبار، مثل تجربة رشيدة الحارس مع عمرو دياب في «يا كنزي». وبرغم ذلك تظل أعداد الملحنات «معدودة على أصابع اليدين». ما يجعلنا نتساءل: لماذا توجد ندرة في النساء الملحنات؟
وخلال الإجابة على هذا السؤال تلتقي منصة «الناس. نت» المطربة والملحنة تقى طاهر، والتي خاضت تجربة التلحين منذ سنواتها الأولى ومازالت تضع تجاربها التي قدمت فيها الجانب الصعب من تلحين بعض القصائد لشعراء كبار مثل نزار قباني ومحمود درويش وغيرهم.

تقول تقى طاهر إن التلحين مفتاح لاكتشاف كل جميل. وأنها قبل أن تعرف أنها يمكنها الغناء، كانت في حاجة لتعرف كيف تغني؟ تقول «تقى»: «كان تلحين دروس القراءة في المرحلة الابتدائية، سبيلًا كي أكتشف أن صوتي جميلٌ. ثم عندما خضت مجال الموسيقى؛ بدأتُ بغناء قصائد من ألحاني».
اتجهتْ تقى طاهر منذ بدايتها للجانب الصعب من التلحين، وهو التعامل مع القصيدة العربية الفصيحة، وترى أن حاجة الذائقة الموسيقية العربية حاليًا متزايدة، لقصائد عربية في ثوب موسيقي عصري وجديد. وهذا ما حرصت على تقديمه في تجاربها الفريدة لتلحين قصيدة «المقبرة البحرية» لنزار قباني.
درست تقى طاهر الموسيقى، وهي الآن تستعد لإنهاء بحث رسالة الماجستير الخاصة بها. كما أنها تعمل مدرسة للموسيقى، وتدير عددًا من المبادرات لتعليم الموسيقى للمبتدئين. وتقول «تقى» إن الموسيقى مثل الرياضيات، لها قواعد ومبادئ منطقية تترتب عليها نتائجها. وبالتالي فإن دراسة الموسيقى أمرٌ لا غنى عنه خاصة عند خوض تجربة التلحين.

«أواجه أحيانًا ردود فعل تعسفية من بعض زملائي الموسيقيين مفادها أنه لا يمكن للمرأة أن تقوم بالتلحين». هكذا تقول تقى طاهر. موضحة أن الكثير من الموسيقيين يستندون إلى تاريخ حافل من إسهام الرجال في مجال الموسيقى بأن المراة ليس لها نصيب فيه. وأغلب الظن أن هذا الحكم التعسفي المسبق لدى البعض يقف كفزاعة أمام محاولات النساء للخوض في هذا الميدان، حتى لا يصبح فشلهن -وهو أمرٌ وارد- مضربَ الأمثال. وهو ما تؤكده «تقى» قائلة: «كاد ذلك أن يُسبب لي إحباطًا خلال مسيرتي».
هل التلحين عدو الغناء؟
دائمًا ما يشار إلى أن تجربة بليغ حمدي التلحينية على سبيل المثال قضت على مشروع مطرب كبير عملاق. وكذلك الأمر مع منير مراد. «التلحين زي الفريك ما يحبش شريك». ومع ذلك نجح بعض الفنانين في الغناء والتلحين معًا مثل محمد فوزي ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش. ولكن مؤخرًا شاع تعاون مطربين عُرفوا بتلحين أعمالهم لأنفسهم مثل كاظم الساهر، بتعاونهم مع ملحنين آخرين منافسين.

تقول «تقى»: «الفنان يحتاج للتعاون مع آخرين طوال الوقت لإثراء تجربته الغنائية أو حتى التلحينية». مضيفة: «بالتأكيد أفضل التعاون مع ملحنين آخرين. فالموسيقى توفر لنا مساحة رحبة من التواصل الفني والثقافي». وتوضح: «ومع ذلك أحرص في الحفلات التي قدمتها أن تكون معظم الأغاني من ألحاني. لدي رصيد كبير من الأغاني التي قمت بتلحينها. ولكنها لم تخرج للنور بعد».

التلحين ميدانُ الرجال
يُشاع أن مجال التلحين هو ميدان الرجال، يخلقون فيه الألحان العظيمة، ثم يأتي دور المرأة في المرحلة التالية. وتعلق تقى طاهر، على هذا الرأي واصفة بأنه «نوعٌ من العنصرية». موضحة: «كل مجال يُتاح للمرأة أن تسهم فيه، يمكنها أن تقدم ما يقدمه الرجل أو أكثر. فلا مانع أن تتميز المرأة في الرياضة البدنية مثلا، أو أن يتميز الرجل في فن الموضة، أو الطهي. وكذلك التلحين. بالعكس؛ بل يمكن للمرأة التلحين والغناء معًا. التجارب ربما ليست كثيرة، ولكنها ليست هينة، مثل تحربة جاهدة وهبة على سبيل المثال لا الحصر».
وتضيف تقى طاهر: «أنجزتُ العديد من الألحان وعندما لحنت قصيدة يحكون في بلادنا للشاعر الكبير محمود درويش، وهي قصيدة تدور على لسان رجل، ومع ذلك قمتُ بغنائها في حفلة سابقة. وكان احتفاء الجمهور وكلمات الثناء التي وصلتني فيما بعد، تؤكد أن الموسيقى لا جنس لها».



