حكايا ناسسلايدر
أخر الأخبار

رحلة رؤية «هلال شهر رمضان» من «دكة القاضي» حتى بين القصرين ودار الإفتاء

تستطلع دار الإفتاء المصرية، خلال ساعات، رؤية هلال شهر رمضان، لبيان غرة شهر رمضان إذا كانت غدا الإثنين، أو بعد غد الثلاثاء، وفقا لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته.

ويتم ذلك في عصرنا الحديث عبر أجهزة فلكية حديثة، غير أن طرق رصد هلال رمضان اختلفت قديما عبر العصور المتوالية، وتنوعت الأساليب وفقا لتطور العصر.

على دكة القاضي

استطلاع هلال شهر رمضان
استطلاع هلال شهر رمضان

واختلف المؤرخون حول أول من خرج لتحري هلال شهر رمضان من قضاة مصر، فذكر المؤرخ السيوطي في كتابه «حسن المحاضرة»، أن أول من خرج إلى تحري الهلال بمصر هو القاضي غوث بن سليمان، وقيل إن أول من خرج لتحري الهلال كان القاضي إبراهيم بن محمد بن عبدالله، وقيل هو “أبو عبدالرحمن بن عبدالله بن لهيعة”، الذي تولى قضاء مصر سنة 155هـ.

وذكر المؤرخون أن أول مكان لتحري الهلال كان من أعلى المسجد العتيق “مسجد عمرو بن العاص”، ثم تم نقل مكان الرؤية إلى الجيزة، حيث يورد الكندي رواية توضح خروج ابن أبي لهيعة لتحري هلال شهر رمضان بالجيزة، ثم تم نقل مكان تحري الهلال إلى جبل المقطم، فعلى هذا الجبل أُعدت «دكة خشبية» عرفت باسم «دكة القضاة»، وكانت تلك الدكة ترتفع عن المساجد، من أجل الجلوس عليها عند استطلاع الأهلة.

مصر بين مذهبين

استطلاع هلال شهر رمضان
استطلاع هلال شهر رمضان

وظل المصريون منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب ومن جاء بعده من الخلفاء حتى نهاية عصر الولاة، يصومون رمضان على مذهب أهل السنة، إذ كان صيامهم يبتدئ بمجرد رؤية الهلال، سواء كان شهر شعبان تسعة وعشرين يومًا أم ثلاثين.

فلما آلت مصر لحكم الفاطميين لم يرتضوا هذه الطريقة، وقام «جوهر الصقلي» في 358 هـ، والذي كان ينوب آنذاك عن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله في حكم مصر، بإبطال مبدأ الرؤية، جاعًلا الشهور الرمضانية شهرًا تسعة وعشرين يومًا، وشهرًا ثلاثين، فإذا وقع رمضان في أحدهما أمضوه كما هو.

وأصبح ركوب الخليفة وخروجه في شوارع القاهرة أول رمضان يقوم مقام الرؤية عند أهل السنة، وفي ذلك يروي المؤرخ المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» المعروف بـ«الخطط المقريزية»: «وإذا انقضى شعبان يركب الخليفة الفاطمي أول شهر رمضان وهو يقوم مقام الرؤية عند المتشيعين».

ويتابع :« فيصدر أمره بتوفير اللباس والآلات والأسلحة والعرض والركوب والترتيب، ويسير في موكبه هذا بوسط شوارع القاهرة، ويكتب إلى الولاة والنواب والأعمال يذكر فيها ركوب الخليفة».

المماليك في «بين القصرين»

احتفالات رؤية هلال شهر رمضان
احتفالات رؤية هلال شهر رمضان

وأعاد المماليك مرة أخرى العمل بمبدأ تحري الهلال، ومن ذلك ما رصده المؤرخ «ابن إياس المصري» في كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور»، حيث ذكر غير مرة خروج القضاة الأربعة: “المالكية، الشافعية، الحنبلية، والحنفية”، ومعهم المحتسب، وحاملي الشموع والفوانيس، ومجامر البخور، وغيرهم إلى المدرسة المنصورية، بين القصرين لتحري هلال شهر رمضان.

كما ينقل لنا المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه “السلوك” ضمن حوادث سنة 796هـ حدثًا غريبا وقع في عهد السلطان الظاهر برقوق: “وفي ليلة الثلاثاء –الثلاثين من شعبان- تراءى الناس هلال رمضان، فلم ير أحد الهلال مع كثرة عددهم، فأصبح الناس على أنه آخر شعبان، وأكلوا إلى الظهر، فقدم الخبر بأن الهلال رؤي في بلبيس، فنودي بالإمساك قبيل العصر”.

كما رصد لنا الرحالة العربي ابن بطوطة مظهرا من مظاهر تحري رؤية هلال شهر رمضان بمدينة أبيار “كفر الزيات حاليا”، وذلك سنة 727هـ، وفي ذلك يقول: “ولقيت بأبيار قاضيها عزالدين المليجي الشافعي، حضرت عنده مرة يوم الركبة (الروية)، وهم يسمون ذلك اليوم بيوم ارتقاب هلال رمضان”.

ظل المصريون يستطلعون هلال شهر رمضان من فوق مأذنة جامع عمرو بن العاص تارة، ومن فوق جبل المقطم تارة أخرى، إلى أن جاء العصر العثماني، فثبتوا موضع استطلاع الهلال بجبل المقطم، فكان يجتمع القضاة الأربعة وبعض الفقهاء والمحتسب بالمدرسة المنصورية في «بين القصرين»، ثم يركبون جميعًا يتبعهم أرباب الحرف وبعض دراويش الصوفية إلى موضع مرتفع بجبل المقطم حيث يترقبون الهلال.

لم يفت المستشرقون الذين جاءوا في ركاب الجيوش الغازية أن يسجلوا احتفالات المصريين باستطلاع هلال شهر رمضان، ومن بين هؤلاء المستشرقين نذكر آدم فرانسوا جومار أحد العلماء الذين رافقوا الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801م)، حيث رصدت عين هذا المستشرق في كتاب (وصف مصر)، جانبا من احتفال المصريين”.

مثل استطلاع هلال شهر رمضان بداية لاحتفالات المسلمين في شتى بقاع الارض بحلول هذا الشهر الكريم، وتختلف طقوس استطلاع الهلال والاحتفالات ببداية الصوم من بلد إلى آخر، لكن مصر تتميز عن سائر المدن العربية برونقها الخاص في الاحتفال بقدوم هذا الشهر، إذ تقام مظاهر للترحيب به على المستويين الرسمى والشعبى.

فعلى المستوى الشعبى، فقد دبت فى الشوارع والأسواق حركة نشيطة للشراء واكتظت المحال التجارية بالزبائن، وامتلئت بكافة المستلزمات التي يقبل الصائمون على شرائها، وتوفرت السلع رغم ارتفاع أسعار بعضها.

كما تنتشر الفوانيس بكافة أشكالها وأحجامها مزينة بألوان زاهية، وبدأ الاستعداد فى المساجد للابتهالات والمدائح النبوية وجلسات الذكرالروحانية، وصلاة التراويح، وتم الاستعداد لاستقبال ضيوف “موائد الرحمن” التى تتوفر طوال شهر رمضان، وهى موائد إفطار مجانية لعابري السبيل والفقراء، وهدأت الشوارع قبل الافطار لتداخل حلول شهر رمضان هذا العام مع امتحانات نهاية العام لطلاب الثانوية العامة والجامعات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى