عادة ما يكمن سر السعادة والبهجة عند الاحتفال بعيد الفطر المبارك، في داخل البيت المصري ذاته، في الرائحة الطيبة التي تنبعث منه خلال هذه الفترة، روايح كحك العيد التي تأتي من هذه النافذة أو تلك، ومع مرور السنوات.
باتت تلك الظاهرة تتلاشى شيئًا فشيئًا، مع انتشار عادة شراء كحك العيد جاهزًا من محال بيع الحلويات. ولكن في منزل الحاج سمير بحي العباسية بمحافظة القاهرة، مازالت الابنة الكبرى تحتفظ بتلك العادة حتى يومنا هذا.
تصوير: أميرة السيد

وصية أمي يفضل بيتنا مفتوح كل عيد ونعمل الكحك الست غادة
منذ حوالي عشر سنوات أو أكثر رحلت الأم، تلك السيدة التي كانت تجمع أبنائها وأخواتها وأبناء خالتها وغيرهم من الأقارب لصناعة أكثر من 60 كيلو دقيق وتحويلهم إلى كحك بأنواعه المختلفة، قبل أن يحل شهر رمضان المبارك بحوالي عشرة أيام.
عادة سنوية ثابتة أن يكون هذا المطبخ محدود المساحة، مكان يتجمع به كافة أفراد الأسرة كل عام يسهرون حتى مطلع الفجر يصنعون كحك العيد وسط فرحة أطفال العائلة، ويستمتعون بروايح كحك العيد.

تقول غادة الابنة الكبرى لـ«الناس.نت» :” زمان كانت أمي حريصة تجمع كل قرايبها ويقعدوا هنا يعملوا الكحك، وكنت أنا وأخويا بننزل نودي الصاجات الفرن يستوي، كانت الفرحة لها طعم تاني”.
اقرأ أيضاً: كحك العيد.. اختراع فرعوني أثبت قدرته على الخلود
تشير غادة إلى أن هذا الأمر ومع رحيل الأم أصبح مفتقرًا للبهجة بعض الشيء، وانفض جمع العائلة برحيل البعض وكبر سن البعض الآخر، لكنها ظلت تجلس رفقة سمر زوجة أخيها تصنعان الكعك وتخطفان مظاهر البهجة خطفًا من يد الزمن.

الكورونا فض «اللمّة»
تؤكد غادة على أن الأمر اختلف تماما بوفاة الأم، تم رحيل الأب جراء إصابته بفيروس كورونا المستجد «كوفيد -19»، بدأ الجمع ينفض من حولهم فلم يبق في النهاية إلا هي وزوجة أخيها. التي تحرص على مزاولة هذا الأمر معها كل عام منذ أن تزوجت قبل 19 عامًا.
وتابعت غادة أن هدف جمع العائلة في المطبخ أثناء عمل العجينة وتفوح روايح كحك العيد؛ من أن كانت في سن صغيرة جدًا من أجل أن تتمكن غادة من استكمال تلك العادة التي لا يشعرون بعيد الفطر إلا من خلالها.
وتعلق قائلة :”أمي كانت بتقول لي أنا عودتكوا وعلمتكوا عشان لما أموت يفضل البيت مفتوح وفرحة العيد فيه، بقالي أكثر من 35 سنة بعمل كحك العيد كل سنة، وناوية مقطعش العادة دي أبدًا طول منا عايشة أنا وإخواتي وزوجة أخويا”.
لابد من قراءة الفاتحة للأم والأب قبل أن تبدأ غادة في عمل أي شيء بل يتم أيضا تخصيص كمية من الكعك لتوزيعها على الجيران والمحيطين بمحل سكنهم في حي العباسية بالقاهرة.

قراءة الفاتحة
تشير غادة إلى أنها كلما أمسكت بقطعة العجين وبدأت في قراءة الفاتحة مثلما كانت تفعل الأم، تشعر بالحزن عليها ولكن سرعان ما يذوب ذلك في أجواء العيد المرحة، ليس هذا فقط ما يدفعها للمداومة على صناعته في المنزل.
ولكنها تقول إحنا مش بنحس إنه فيه عيد فطر إلا بوجود الكحك وفرحة الكحك زائد إنه جودة الحاجة أكبر وأوفر بدل ما نشتري كيلو الكحك بـ 150 جنيه، ومش مضمون معمول إزاي”.
وهذا ما تؤكد عليه سمر زوجة أخيها أيضا التي ترفض بالرغم من المجهود الكبير الذي تبذلانه خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، والعمل وقت الصيام.
إلا أنه لا يمكن أن تكتمل فرحة عيد الفطر المبارك بدون أن تكون يد سمر وغادة هي ما صنعت كل شيء في الكعكة منذ البداية وحتى النهاية. ما ينقصهما هذا العام هي “لمة العيلة” التي غيبتها تداعيات فيروس كورونا المستجد.

الأطفال و «تزيين كحك العيد»
الأطفال ركن أساسي في الاحتفال بهذا اليوم، حتى غادة وهي صغيرة لم تنس بعد فرحتها وهي حاملة صاجات الكعك لتنقلها إلى صاحب المخبز المجاور لهم لتسويته، رفقة إخوتها وأبناء الخالات.
يتكرر أمامها المشهد بعد أكثر من 35 عامًا، حينما تأتي كل من جنى وفيروز بناتي أخيها، إلى المطبخ لمعاونتها هي وزوجة أخيها في نقش الكعك.

وتوضح غادة أنه بالرغم من ظهور العديد من آلات صناعة وتزيين كعك العيد إلا أنها مازالت تفضل صناعته بالمنقاش المعدني الصغير، “ده منقاشي من سنين مش بغيره”.
تقبض على المنقاش الصغير ذي اللون الذهبي، وبعد أن تنتهي مع سمر من وضع اللبن والدقيق والسمنة في الوعاء البرتقالي، يبدآن في دمج العجينة حتى تتجانس تمامًا. وتبدأ كل واحدة في الإمساك بالكعكة وتزيينها، بينما تقف الفتيان تساعدهما في ذلك على أنغام “يا ليلة العيد” لكوكب الشرق أم كلثوم.



