خاص │«تحقيق» جهل المجتمع يحول المريض النفسي إلى مجرم

في حالات عديدة في مجتمعنا؛ يعاني المريض النفسي من إزدراء المحيطين به، وتنمرهم عليه، ما يدفعه إلى إخفاء مرضه النفسي، ورفض التواصل مع الأطباء والخضوع للعلاج، باعتباره وصمة عار تلاحقه أينما ذهب. وبالتالي تتفاقم حالته الصحية أكثر؛ إضافة إلى ما تسببه «الوصمة» من الشعور بالاضطهاد، والدونية وعدم الإنصاف المتعمد في التعامل معه؛ وذلك كله ينذر بكارثة حقيقية، على الفرد، والمجتمع.
تلتقي «الناس. نت»، مع عدد من الأطباء، والمتخصصين في علم النفس، والذين يؤكدون أهمية العلاج النفسي في مثل هذه الحالات، ولكن اختيار التوقيت المناسب للتدخل؛ هو الأهم. إذن؛ متى يمكننا تحديد التوقيت المناسب للتدخل الفوري للعلاج النفسي؟ وكيف؟

التفكك الأسري
يقول الدكتور جمال فراويز، استشاري الطب النفسي، لـ «الناس. نت»، إن الإصرار سواء من قبل المريض، أو أسرته، على إخفاء المرض النفسي، تجنبًا لـ «وصمة عار» قد تلاحق المريض وأسرته فيما بعد؛ يتسبب في الكثير من الأمور الخطيرة وغير المتوقعة؛ وقد تصل أحيانا إلى حد ارتكاب جرائم قتل، أو الانتحار على أقل تقدير.
اقرأ أيضًا: العلاج بالفن.. أسلوب عصري في علاج الاضطرابات النفسية
هل يمكن أن تفشل بعض الزيجات، التي يكتشف فيها أحد الزوجين أن الطرف الآخر أخفى عنه حقيقة مرضه النفسي؟ يقول الدكتور جمال فراويز: «في أغلب الحالات، تنتهي مثل هذه الزيجات بالطلاق وتشريد الأبناء. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن الخوف من وصمة العار التي دفعت المريض لإخفاء مرضه النفسي، قد تدفعه إلى ارتكاب جرائم شنيعة».

وتتفاقم المشكلات الناتجة عن «إخفاء المرض النفسي»، فالكثير من الأسر المصرية، يفضلون إخفاء أمر أن أحد ذويهم مريض نفسي على الذهاب إلى الطبيب، لأانه بذلك قد تلاحقهم «وصمة عار». والأسوأ من ذلك أن البعض قد يفضل الذهاب إلى دجال أو مشعوذ.
اقرأ أيضًا: بعيدًا عن كورونا.. «ضيق التنفس الوهمي» مرض جديد مرتبط بالحالة النفسية
يقول الدكتور محمد هاني، استشاري الصحة النفسية والطب النفسي، إن من أكبر أسباب زيادة معدلات المرضى النفسيين في المجتمع؛ هو التفكك الأسري، وانفصال الأب والأم، وغياب الاحتواء، وغلبة بعض الظروف المهنية، أو الاقتصادية على جو الأسرة الحميم. قد يكون المريضُ فاشلًأ في التحصيل الدراسي، أو الحصول على فرصة عمل، أو إثبات ذاته في مجال أو آخر. وأحيانا قد يتخذ كل ذلك ذريعة لانحراف سلوكي ما، مثل تعاطي المخدرات. ويؤكد «هاني» إن الكثير من الأمراض النفسية تعود إلى تاريخ وراثي للعائلة مع المرض النفسي.
في المدرسة والجامعة
«المجتمع المصري ليس لديه وعي، ويخلط بين المرض العقلي والمرض النفسي». هكذا تقول الدكتورة إيمان عبد الله، استشاري علم النفس والعلاج الأسري، موضحة أن «الوصم»؛ هو الشعور بالخجل من أمر ما، فالمرضى لديهم خجل من الذهاب لطبيب نفسي، ولا يدركون في أغلب الأحيان أنه مرض مثل أي مرض، ومن الممكن علاجه.
اقرأ أيضًا: الطبيب باتش آدمز بعد بتر ساقه: سأحولها لأداة كوميدية للتخفيف عن المرضى
هناك بعض المشاهير لا يذهبون إلى عيادة الطبيب النفسي؛ بل يفضلون اللقاء معه خارج العيادة، خوفا من رؤية أحد لهم، ويتعمدون إخفاء المرض النفسي، لافتة إلى أن بعض المرضى النفسيين لديهم معاناة بسيطة مثل الميل إلى العزلة، أو اكتئاب طفيف، ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي جدا، وفي هذه الحالة هم يحتاجون فقط إلى بعض الدعم النفسي.
«المرض النفسي لا علاقة له بالجنون، ولا بالتحصيل الدراسي، ولا نسب الذكاء». وتؤكد الدكتورة إيمان عبد الله، أن جزءًا كبير من مسؤولية الوعي بالمرض النفسي، وبأهمية المعالج النفسي ودوره في حياتنا؛ يقع على عاتق المدارس والجامعات، والمنصات الإعلامية. فالنظرة السلبية من المجتمع إلى المريض النفسي، ومن المريض إلى نفسه، تنذر بوضع مأساوي وإن بدا ظاهريًا في استقرار وتوازن.
الذهاب إلى الدجالين
«86% من المرضى النفسيين يذهبون أولا إلى المشعوذين والدجالين، والمعالجين بالقرآن لفك السحر. وهي أمور لا تنم سوى عن جهل المجتمع بالمرض النفسي». بعيدًا عن السبب الموراثي المُشار لها سابقًا، فقد أشارت الدكتورة إيمان عبد الله إلى بعض المشكلات الأسرية، وضغوط الحياة والظرواف الاقتصادية، قد تكون أسبابًا للمرض النفسي، كذلك عدم قدرة الشخص على التأقلم في بيئة شديدة الازدحام أو التلوث.
اقرأ أيضًا: تصريحات «حورية فرغلي» بعد شفائها| تبنت طفل سفاح والسحر سبب المرض
تقول الدكتورة إيمان عبد الله، إن المرض النفسي ينقسم إلى شقين، الأول مريض نفسي يدرك مرضه ويرغب في العلاج. والثاني شخص لا يدرك أنه مريض نفسي. لأنه في أغلب الأحيان يتم اعتبار مريض الذهان، أو الفصام، أو الاكتئاب، شخص أصابه «مس» من الجن الخفي. وتؤكد «عبد الله» أن الحملة القومية للتوعية ضد المرض النفسي، أكدت أن عدد المرضى الذين يذهبون إلى العلاج لا يتجاوزون نسبة 3%.
نصائح هامة
ومن ناحية أخرى نشر المركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها «Saudi CDC» نصائح حول التعامل مع وصمة العار التي ترتبط بالإصابة بمرض نفسي، والتي من أبرزها التعرف على الاضطراب النفسي الذي تعاني منه، وشارك الآخرين بما تعلمته، فالمعرفة تحد من وصمة العار، والحصول على المساعدة اللازمة من المختصين.
اقرأ أيضًا: «جون» يروي قصته من اضطراب ثنائي القطب إلى السجن ثم التعافي
ولا تسمح لمشاعر الرفض أن تشكل عائقاً يمنعك من ممارسة نشاطاتك الطبيعية والهوايات المحببة إليك، وتجنب كثرة التفكير في كلام الآخرين عن مرضك النفسي لتفادي الشعور بالسوء الناجم عن ذلك، كما تمكن العديد من المرضى من التغلب على أمراضهم النفسية والتعافي منها، فلا تدع وصمة العار تمنعك من تلقي العلاج، وكذلك لا تسمح لوصمة العار أن تدفعك نحو العزلة عن المجتمع، وحاول قضاء وقتك مع أشخاص تثق بهم ويتفهمون حالتك النفسية.

مستوى الثقافة
ومن جانبها قالت الدكتورة ميس عصام السبع أخصائية نفسية أن الصحة النفسية جزء أساسي من الصحة البدنية وهي حالة اكتمال للسلامة العقلية ومن أهم أسباب انتشار وصمة المرض النفسي تدني مستوى الثقافة في المجتمع حول الصحة النفسية، وبالتالي يجب التركيز على مسألة التثقيف من خلال الورشات ووجوده كمنهج تعليمي في المدارس والتدخلات في مرحلة الطفولة المبكرة من خلال تقديم الدعم النفسي للأطفال.
اقرأ أيضًا: العلاج بالفن.. أسلوب عصري في علاج الاضطرابات النفسية
وأكدت أن العلاج النفسي هو شكل من أشكال العلاج الذي يرتكز على التفاعل بين شخصين فإبلاغ الناس بسرية المعلومات هو خطوة مهمة في تشجيعهم على الذهاب إلى الطبيب النفسي كما أنه يمكنه تلقي العلاج في المنزل في بعض الحالات، ويجب على الشخص أن يعلم بأهمية العلاج النفسي بالنسبة لصحته بشكل عام وتأثيرها الإيجابي عليه من النواحي العقلية والجسدية والاجتماعية.



