
في رحلة امتدت لأعوام، تعلمت ريهام سليمان، كيف تتصالح مع نفسها، وأن تشعر بالثقة في كل مرة ترى البقع البيضاء التي تعبر عن اختلافها عن الآخرين
اختير شهر يونيو عالميا للتوعية بمرض البهاق، واليوم الخامس والعشرين منه يعتبر يوما عالميا للتوعية به، ولرفض الوصمة التي تصاحب المريضين به.
وتحاور منصة «الناس. نت» عبر منصة «زووم» سليمان التي أصيبت بمرض البهاق في الرابعة عشر من عمرها، دون سابق إنذار، ودون استعداد، لتبدأ رحلة علاج ثم رحلة تعافي تجعلها أكثر تقبلا لشكلها اليوم، في رحلة تعتبرها صالحة لأي شخص لا يزال يرفض تقبل ذاته كما هي.

تنمر مبكر
الوقت كان حساسا ومربكا، فتاة في سن المراهقة، وعلى عتبة الشعور بالأنوثة، تُفاجأ ببقع بيضاء تظهر في رقبتها، ثم في الشفاه، تصف سليمان شعورها الأول بالإصابة: «الأمر بالنسبة لي كان صدمة”، استعاضت الفتاة عن ذاك الشعور بزيارة الأطباء، أملا في العودة إلى “الشكل الطبيعي».
رحلة العلاج التي بدأت مبكرا كان يصاحبها مرحلة من الرفض المجتمعي، باللفتة من الغرباء، بالتوقف عن التصافح باليد (قبل عهد كورونا)، بالأسئلة المربكة للفتاة مثل “إنتي كدة ازاي؟ إنتي محروقة؟ هو المرض مُعدي؟ هو احنا ممكن نلمسك؟.. أسئلة تصفها المرأة الثلاثينية بالكلام المُدمر لنفسية أي بنت. تقر بما كانت تشعر به “كنت أريد الاختفاء. أن أكون غير مرئية تماما”.
ذاك الشعور القاسي دفع الفتاة ذات الـ34 عاما، إلى الحل الأسهل لغالبية الفتيات اللاتي يعانين من مرض البهاق، المكياج، أطنان منه كان من نصيب وجهها في المراهقة وحتى مرحلة العشرينات، صاحب ذلك زيادة في انتشار البهاق في جسدها، التي تقول عنه الفتاة إنه لم يكن له أي سبب واضح بحسب تفسير الأطباء.

رحلة علاج قاسية
بقع البهاق تنتشر، والمكياج يزيد، وتحت جلد سليمان يزيد الشعور بالاكتئاب والرفض، كانت تسأل نفسها «لماذا أنا؟ هل كان من الصعب أن أكون صاحبة مرض عادي له علاج؟».. تتذكر الآن تلك اللحظات بعد أن قررت منذ عدة سنوات فقط التخلي عن المكياج ومواجهة المجتمع. الأمر لم يكن سهلا، وبدأ بطريق علاج طويل ومُر.
تقول سليمان بسخرية مريرة إنها لم تترك بروتوكول علاجي يخص البهاق إلا وقامت بتجربته، بداية من المراهم والكريمات، مرورا بجلسات الليزر وحتى أجهزة ضوئية، وحتى طريقة نقل الخلايا التي تعتمد على انتقال خلايا اللون الأصلي إلى مناطق ظهور البهاق، تقول: «تلك الأساليب لم تؤتِ نفعا، البهاق إذا اختفى من مكان يظهر في مكان آخر».
تصف سليمان رحلات العلاج إنها مع كل زيارة لطبيب جديد «تبدأ من الصفر»، تردف: «إذا فشلت طريقة كنا نحاول في طريقة أخرى من البداية لمحاولة السيطرة على المرض. وفي كل مرة أحاول أن أزرع الأمل بداخلي. كنت أشعر وقتها إني أشبه الكائنات الفضائية». رحلات العلاج غير الناجحة أسفرت عن شعورين: حروق في بعض مناطق الجلد، وحنق في نفس الفتاة.

لا للمكياج
منذ عدة سنوات، قررت السيدة المصابة بالبهاق أن تتخلى عن المكياج تماما، وتواجه المجتمع بوجهها دون خجل، القرار كان عقب آخر زيارة لطبيب بعدما قررت أن توقف كل تجارب العلاج، تفسر “بكيت بمرارة وشعرت بالخنقة، وأن جميع الطرق لا تؤدي للعلاج المرجو. وقتها قررت أن أوقف محاولات العلاج والمكياج، وأن أقبل نفسي كما أنا”.
تقر سليمان إنها لا تحب المكياج بالأساس، تفسر شعورها في لحظة رفضه “كنت في نهاية حملي بطفلي الثاني، ريان، وشعرت أن خطوة التخلي عن المكياج كثقل أزيح من فوق قلبي. لحظات الصباح الطويلة حتى أصل لدرجة اللون اختفت. قضاء وقت في محال المكياج للوصول لدرجة اللون كانت مرهقة وصعبة”.
تعتبر السيدة المصرية أن أكثر ما شجعها في مواجهة المجتمع بشكلها الحالي كان دعم زوجها لها، بالإضافة إلى متابعة مشاهير مرضى البهاق حول العالم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي “للأسف لم أجد مشاهير عرب كُثر وقتها لتجاوز ما كنت أشعر به، لكني تحمست حين وجدت الكثير من الأجانب يعيشون حياتهم الطبيعية دون تكلف، ودون رهبة من نظرات الأسف من الغرباء في الشارع. أنا مدينة للسوشيال ميديا في معرفتي لمرضى البهاق يثقون بأنفسهم حول العالم”.

دعم الزوج
لا إنسان يتغير في لحظة واحدة، تماما كما حدث مع سليمان التي تقول إن رحلة تغيرها وقبولها لذاتها كما هي كانت تدريجية، تقر: «أضعت سنوات من عمري خجلة من شكل جلدي ومن مرض لا يد لي فيه، كنت أخاف التقاط الصور، وأخشى المرآة، الأمر تبدل عندما بنيت الثقة تدريجيا بيني وبين نفسي».
تعزي الزوجة والأم لثلاثة أولاد جزء كبير من هذا التغير إلى زوجها، وليد حسين، والذي يقول لمنصة «الناس. نت» إن أزمة المجتمع في التعامل مع مرضى البهاق تتخطى المرض، تتماس مع رفض المجتمع لأي مختلف، يعتبر أن ذلك يقل تدريجيا مع زيادة الوعي حول المرض في الآونة الأخيرة.
دعم حسين لزوجته بدأ منذ إصابتها، وحتى في رحلة العلاج، معرفته المسبقة بمرض البهاق، شعوره مع زوجته بلحظات الألم إثر علاج مؤلم على جلدها، كونه أول من شجعها على قرارها بتوقف العلاج بعد سنوات، يكتب منشورا عبر صفحته بفيسبوك داعما لها في شهر التوعية بالمرض، ومصحوبا بصورة تظهر كامل وجهها، يصفها بالصورة الجميلة، الزوج المقيم مع زوجته في دبي يمهد أحيانا لدوائر أصدقاء طبيعة مرض زوجته حتى يتلقى أي رد فعل قاسِ محتمل بدلا منها.

روشتة التعامل مع المتنمرين
تقر سليمان أن هناك مواقف عدة لا تنساها من متنمرين على شكلها، مثل رفض التصافح، أو رفض تقديم خدمة في صالون تجميل، أو شخص يصر أنه يريد التصوير معها، بدعوى إن شكلها «غريب»، أو سيدات يضحكن على شكلها في الشارع، لكنها لا تنكر الفضل لآخرين قبلوها وأحبوها -ولا يزالوا- كما هي.
ومثل من يأتي من المستقبل، تقول سليمان إنها تنصح أي شخص يشعر بوخز الخجل من البهاق، أو ربما من غيره من الأمراض. إن لا أحد في العالم سيتقبلك إلا إذا تقبلت نفسك، حب الذات والتصالح معها ظهر في كلمات داعمة من أصدقاء وزملاء “لم أتوقع أن تقول لي فتاة إني (أمورة وشكلي حلو). لم أكن أتخيل أنني جميلة. أصبحت مؤخرا أحب التصوير.” علاقة السيدة بالكاميرا تتحسن يوما بعد يوم. الأمر لم يصبح ورديا بالكامل، وتفسر «الأمر أن أي نظرة استغراب أو استهجان لم أعد أضعها كثيرا في حُساباتي».
تعتبر السيدة المصرية أن الكثير يستغرب حين يعرف أنها متزوجة وأم لأطفال «البعض يستغرب من حياتي الطبيعية»، تشعر بالشفقة إزاء هؤلاء، وفي الوقت ذاته تحلم أن تقوم بدور توعويا من خلال مواقع التواصل أو المشاركة في حملات توعوية مؤخرا بتغيير الصورة النمطية عن البهاق، تقول: «أعرف سيدة مريضة بالبهاق ولا تزال ترتدي قفازا حتى في عز الحر خوفا من أن يظهر البهاق للناس. أشعر أن الكثير من المرضى لا يزالون في دائرة الانغلاق فقط بسبب خوفهم من المجتمع. أقول لهم عليكم أن تسألوا أنفسكم: أي استفادة تنتظروها من الناس؟».



