خاص| مصريون يوثقون التبرع بأعضائهم بعد الوفاة.. هل يجوز شرعًا وقانونًا؟

مئات المرضى يُلقون حتفهم يوميًا بسبب تلف أحد أعضاءهم، دون أن يجدوا متبرع ينقذهم من الموت، وذلك في الوقت الذي يموت فيه الآلاف وتذهب أعضائهم بعد الوفاة إلى التراب دون أن يستفيد منها أحد.
وانتشرت سياسة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة في مختلف دول العالم، باستثناء المجتمعات العربية التي تقف العادات والتقاليد البالية حائط منيع أمامها، فيما شهدت الفترة الأخيرة بصيص أمل، يتمثل في بعض الأشخاص الذين قرروا التبرع بأعضائهم بعد الوفاة، متغلبين على كافة العراقيل الاجتماعية، وقاموا بتسجيل قراراتهم في الشهر العقاري.. «الناس.نت» إلتقت ببعض هؤلاء الأشخاص، ليرووا تفاصيل هذه التجربة من الناحية النفسية والاجتماعية والقانونية.
اقرأ أيضًا:قلب وغضاريف بلاستيكية.. الأعضاء الصناعية تحل محل البشرية السنوات القادمة

التسجيل بالشهر العقاري
البداية عند المهندس يوسف راضي، 30 سنة، الذي يعتبر من أوائل الأشخاص الذين قرروا التبرع بالأعضاء بعد الوفاة وتوثيق ذلك في الشهر العقاري وتسليمه إلى اللجنة العليا لزراعة الأعضاء.
يقول يوسف:«كنت أفكر لوقت طويل في العادات والتقاليد التي تمنع التبرع بالأعضاء، رغم أن هناك الكثير من الأشخاص لديهم النية في التبرع، وبالتالي قررت أن أكون حافز ودافع كبير لكل شخص يرغب في التبرع بالأعضاء بعد الوفاة».
وتابع:«قرأت لفترة في موضوع التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، وعلمت أنه يجب تسليم القرار للجنة العليا لأحصل على كارنيه التبرع، حتى يمكن اللجوء إلى أعضائي بعد الوفاة إذا كان هناك حاجة لها».

وأكد راضي على أن طريق توثيق القرار بالشهر العقاري شاق للغاية بسبب تعنت الكثير من الموظفين، كما أنهم لا يملكون أي فكرة عن الموضوع، لذلك يجب أن تنبههم إلى صيغة القانون الذي يجيز للشخص التبرع بالأعضاء بعد الوفاة.
ونوه إلى أنه من أكبر المشاكل التي تواجه الشخص الذي يرغب في التبرع، تتمثل في اللجنة العليا التي لا تنعقد بشكل دائم، كما أن رفض العادات والتقاليد تقف عائق أمام المتبرع.
وأنشا يوسف جروب على فيسبوك يجمع الأشخاص الذين يرغبون في التبرع بأعضائهم بعد الوفاة، ويقدم لهم كافة التساهيل التي تساعدهم سواء كانت من الناحية القانونية أو الدينية، أو الفنية والتقنية.
انتقلنا بعد ذلك إلى دينا رضا، 57 عام، التي قالت أنها ظلت لسنوات طويلة تبحث عن طريقة تساعدها في التبرع بالأعضاء سواء من الأطباء أو أصدقائها، والجميع كان يخبرها بصعوبة تنفيذ هذا الأمر في مصر، حتى رأت بعض الحالات المؤثرة التي في طريقها للوفاة بسبب تلف أحد الأعضاء، فأحست أنها لن تحترم نفسها إن لم تتبرع بأعضائها بعد الوفاة.
وتابعت :«عندما سألت أحد القانونين أخبرني أن هذا الأمر جائز قانونًا ووجهني إلى طريقة تسجيل التبرع.. واجهت الكثير من المشاكل عند تسجيل القرار في الشهر العقاري لنادي هليوبليس، قضيت معهم يوم كامل، وكانوا رافضين بشكل كامل الموضوع، وقالوا أنهم لم يشاهدوا مثل هذا القانون من قبل ولكنني كنت مصممة بشكل كبير ولم أوفق في ذلك اليوم، وذهبت بعدها إلى الشهر العقاري الخاص بالمحكمة، والمديرة كانت متفهمة الأمر وانتهت من أوراقي بشكل سريع».
وأضافت أنها أرسلت سيدتين إلى الشهر العقاري في المحكمة اليوم التالي لتسجيل أعضائهم بعد الوفاة، إلا أنها تفاجئت بتحول المديرة عليها وقالت «انتي هتجبيلي مصيبة، كل شوية تجبيلي ناس تتبرع بالأعضاء، وهتطلعي سمعة وحشة عني وإني بتاجر في الأعضاء».
وأكدت دينا أن فكرة التبرع بالأعضاء في ذهنها منذ الطفولة، لأن أمها علمتها عدم إلقاء ملعقة أرز أو لقمة عيش في القمامة، لأن هناك من هو في حاجة ماسة إليها.
اقرأ أيضًا: 80 مليون مهدد بالجوع.. وتغيرات مناخية مدمرة في الطريق

وقالت ميرهان مرزوق أنها تفكر في التبرع بالأعضاء منذ سنوات طويلة لأنها تؤمن بالآية القرآنية «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا»، ولم تكن تعلم في البداية أن هناك إمكانية للتبرع بكامل الأعضاء، فكانت تتبرع بالدم فقط.
وتابعت:«ولما قرأت إن فيه إمكانية للتبرع بالجسم كله في حالة الموت وإن ده بيحصل بشكل عادي في الدول المتقدمة كنت محبطة جداً إن دة مش بيحصل في مصر وكنت بفكر إنه مفيش أي منطق في إني اختار جسمي يتحلل في التربة بدون أي نفع مباشر للآخرين.
ولما عرفت قريب إنه فيه قانون جديد بيسمح بالتبرع بعد الموت حسيت إني سعيدة جداً وإنه القانون أخيراً بيمنحني التصرف بحرية في جسدي بعد الموت».. وبدأت ميرهان في اجراءات توثيق قرارها في الشهر العقاري.

أريد كِلى وكبد
تعيش رضوى أشرف، 27 عام، بكالريوس نظم ومعلومات، حياة صعبة بسبب تلف أعضائها، وتعاني يوميًا عند قيامها بالسير أو الخروج من المنزل.
تقول رضوى :«لدى مشكلة كبيرة في الكلى، بجانب مشاكل في الكبد، والقلب، وأحتاج إلى كلى في أسرع وقت ممكن، وأواجه تعب كبير عند غسل الكلى في كل مرة وأحتاج إلى التخلص من هذا التعب إذا وجدت متبرع».
وتابعت :«أتمنى أن تنتشر فكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة لأنهم سوف يحيون نفوس جديدة بسبب هذا التبرع، كما أن للشخص للمتبرع ثواب كبير عند الله.. حاولت كثيرًا البحث عن شخص يتبرع لي بالكلى، ولكن واجهت مشاكل كثيرة أبرزها لا يوجد شخص صادق يكمل الطريق للنهاية، كما أنني وجدت صعوبة في إيجاد فصيلة مشابهة لفصيلتي».
قيما قال أحمد جلال، 29، أنه تعرض لحادث قبل 15 عام وعرف عن طريق الصدفة أن لديه مشاكل بالكلى، فكانت الصدمة التي لم يكن يتوقعها أحد، وبالصدفة توفى طفل في المستشفى التي كان بها يقترب عمره من عمر أحمد آنذاك، فعرض الطبيب على أسرة الطفل إمكانية التبرع بكليته لإنقاذ حياة أحمد.
وبعد عدة محاولات وافقت أسرة الطفل، خاصة وأن أمه أخبرت أحمد أنها تتمنى رؤية ابنها فيه، ونجحت العملية وزرع أحمد كلى وكُتب له حياة جديدة، بسبب الحادث الذي أنقذه من الموت، لأنه لم يكن يعلم أنه يعاني من فشل كلوي.
اقرأ أيضًا:كارثة صحية.. أطباء يقتلعون أعين 3 أطفال في الهند

جائزًا شرعًا
الكثير من الأشخاص يخافون التبرع بالأعضاء، معتقدين أن الدين يرفض هذا الأمر، إلا أن الشيخ خالد الجندى، الداعية الإسلامى، أعلن عن تبرعه بحسده بعد وفاته حتى ينتفع به أصحاب الحاجة.
وقال الجندى، خلال تقديمه برنامج «لعلهم يفقهون»، : كونى أعيش لخدمة الآخرين خيراً لى من أن أدفن فى التراب بما لا قيمة له ولا جدوى للناس.
وأكد الداعية الإسلامى، أن التبرع بالأعضاء البشرية أمرا جائزا مثله مثل التبرع بالدم، للحفاظ على النفس البشرية، كما أن التبرع له شروط أولها أن لا يكون بمقابل وأن يترتب عليه تشوه فى خلقة الشخص المتبرع، ولا يجوز التبرع بالأعضاء التناسلية وهذه فى حالة التبرع من حى إلى حى.
موافقة القانون بشروط
ومن ناحية أخرى قال المستشار عمرو عبد السلام أن القانون رقم 5 لسنة 2010،يجيز عملية التبرع بالأعضاء البشرية، ولابد من وجود ضرورة تقتضي التدخل لنقل أو زراعة عضو أو نسيج من العضو لإنسان يصارع الموت، وأن هذه العملية تكون لازمة لإستمرار حياته.
ونوه إلى أن المادة الثامنة من نفس القانون، حددت كيفية نقل أو زراعة عضو من انسان متوفي الي إنسان حي، مع وجود شريطة أن يكون المتوفي قد كتب وصية رسمية بذلك موثقة من الشهر العقاري تفيد برغبته إتمام التبرع بجزء من اعضاءه إلي إنسان حي، أو أي مستند رسمي آخر في صورة اقرار من المتبرع بإتمام العملية بعد الوفاة.



