«بيخلوا للجنازة حس» | «العدودة».. فن الأحزان الذي تقوده النساء في الصعيد
العدودة.. فن رثاء الميت في الصعيد

لا تراوح «العدودة» مكانها بين القوالب الفنية التي شكلت ملامح التراث المصري العريق. رغم اختلاف فصولها المتوارثة جيلا بعد جيل.
«العدودة» الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، ظلت منفردة بجمعها بين الشعر والنثر. وفن المربعات التي تناغمت وتيرتها رغم جهل قائلها بقواعد اللغة وبحور النظم وقوافيه.
بين الدموع والنواح
تقول «روحية عبد الواحد» ٧٠ عامًا، والتي تعد واحدة من القلائل اللائي مارسن فن «العدودة». إن «المعددة» قديمًا كان لها دورا رائدا في قيادة المعزيات في المآتم، وتحميسهن لبذل الدمع والنواح. من خلال عبارات متوارثة تؤكد قيمة الفقيد وتدلل على دوره ومكانته في العائلة والقبيلة.
تشير «المعددة» إلى أن فن «العدودة» له قواعد منظمة، فما يقال في عزاء الشيخ غير الذي يقال في عزاء الشاب، وما ينظم في عزاء الرجال يختلف عن ما يتم نظمه في عزاء النساء.
عبارات متوارثة
وتلفت «المعددة» المسنة، أن اشهر العبارات المتوارثة في فن العدودة تلك التي يتم استهلالها بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. أو ذكر المولى عز وجل كقولهم: «استغفروه قبل انا ما ابدي، دا الموت ياحبيبه لا بيدك ولا بيدي». و «مكانش يومك يا زينة الناس».
بيخلوا للجنازة وللفرح حس
وتوضح أن معظم المعددات، كانت لا تحصلن على مقابل مادي، أثناء تواجدهم في تشييع الجنازة أو أيام «النصبة». و الـ 15 والأربعين أو حتى «الحولية» وهي الذكرى السنوية على وفاة الميت، وكان البعض منهن، من الممكن أن يؤدين عملهمن في العدودة في الجنازة. ثم يذهبن لأداء عملهن في الحنة أو حفل زفاف، فالسيدات «بيخلوا للجنازة وللفرح حس».
وتضيف: أداء المعددة لا يقتصر فقط على ترديد كلمات فقط، بل لا بد وأن تلطم الخدود وربما تشق الهدوم. والسيدات يرددن ما تقوله حزنًا على وفاة الميت. سواء أثناء تشييع الجثمان أو حتى أثناء تقديم واجب العزاء.
عمل تطوعي
وتبين الشهادات التي حصل عليها محرر «الناس. نت» من العديد من أهالي محافظة قنا، أن المعددة لم تكن تتقاضى أجرا ماديا نظير عملها في المآتم المحيطة بها. وإن دلل بعضها على أن المعددة في انتهاء المأتم تحصل على جزء يسير من الطعام والشراب. فضلا عن ضيافتها التي قد تستغرق أربعون يوما، وهي أيام الحداد المتعارف عليها في بدايات القرن العشرين.
اقرأ أيضا: طفل يلتهم أطرافه بأسنانه.. ما طبيعة هذا المرض النادر؟
اختفاء العدودة
واختفت «المعددة» بشكل لافت في السنوات الماضية، بسبب عدم رغبة أهل المتوفي في اتباع مثل هذه العادات، التي يحاول البعض الابتعاد عنها، بسبب تعاليم الدين. فضلًا عن وفاة السيدات كبار السن، اللائي كن يقمن بذلك، كما اختفت بشكل كبير بعد ظهور فيروس كورونا، وعدم اقامة سرادق أو استقبال المعزيين.
وبحسب الشاعر أحمد عبد الغني، شاعر العامية الكبير، فإن «العدودة» القبطية واحدة من فروع فن العدودة. التي تحمل بين طياتها الكثير من المربعات الفريدة التي لاتزال تحمل مذاقها وطابعها الخاص.
ويعرف الشاعر القنائي عادل صابر فن العدودة بأنه ثمار أشجار الحزن الذى نما وترعرع فى قلوبنا بعد أن رويناه بدموعنا على الراحلين من الأهل والخلاّن والاصدقاء. لافتا إلى أن فن العديد فن شعبى خالد خلود الموت والأحزان ، وكلما أوغلت فى الجنوب كلما ازدادت العدودة قوةً ورصانة وكلما كثرت طقوس الحزن وطال أمدها.
اقرأ أيضا: هنا النوبة.. روميو الأسواني يحول شقته لمتحف نوبي
شعر العدودة
وبحسب صابر، تتكون «العدودة» الواحدة من بيتين من الشعر أو أربعة اغصان كل غصنين منهما بحرفى روي متشابهة ،تبدأ النائحة بالغصن الأول و تكاد تصل الى منتصفه حتى يكملن النساء وراءها باقى الاغصان بمصاحبتها وتختلط الاصوات المبحوحة الحزينة معاً لتصنع سيمفونية من اروع سيمفونيات الحزن الخالدة.
ويضيف الشاعر القنائي: «ينقسم فن العديد الى أغراض متنوعة تقال وفقاً لنوعية الراحلين من حيث السن والجنس والقيمة الاجتماعية ونوع الميتة التى لقيها الراحل فمنه. مايقال عن الشباب وكبير السن والرجل والمرأة واليتيم والغريب والغريق والقتيل وقليل الخليفة واحوال القبر والغاسل والفحّار وأغراض متعددة لايسعها المجال ولكن يسرنى ان اقدِّم لكم بعض النماذج التى تخص بعضاً من اغراض هذا الفن الخالد».
ويحمل كتاب (غُنا الحزانَى) للشاعر القنائي عادل صابر، 4 آلاف عدودة من جميع محافظات وأقاليم الصعيد. ومنهم ألف عدودة جمعها من والدته وحدها، ومن أهم أقواله والله الوجيعة حنضلة مرة وتخبِّل الشملول مع الحرة، والله الوجيعة حنضلة فى منديل من داقها حِرِم عليه الليل. دخل الطبيب مدّوا اياديهم قال الطبيب معاييش دوا ليهم، ودخل الطبيب دخلت قدامه قال ياشقية خِلصِت أيامه.
وتحمل مربعات فن الواو للشاعر القنائي عبد الستار سليم العديد من مأثورات فن العدودة ذائع الصيت .الذي كان له مريدوه عبر سنوات وسنوات.
ويصف «سليم»: فن العدودة بأنه فن لاتقوله الا النسوة في صعيد مصر، وهو الشق الشعبي في رثاء الميت، ووصف مناقبه التي تميز بها في حياته.
وتشتق «المعددة» اسمها من فن العدودة الذي تمتد آثاره إلى الحضارات القديمة بحسب المؤرخين والباحثين في التراث المصري القديم. حيث لا يقتصر استدعاؤها في المآتم ومراسم العزاء، با يتم انتدابها في الافراح أيضا.



