رأي الناس

نادر عيسى يكتب: أمال مين اللي هينضرب؟

دللتنا السوشيال ميديا وجعلت كل منا طفل شكاء بكاء، فالكل يشتكي من كل شيء، الزواج.. العمل.. برد الشتاء.. حر الصيف.. الأشرار الذين يحيطون به.. أو الحاسدين الذين ينظرون لها في حياتها السعيدة.
لم يعد في إمكاننا إلا أن نستمر في تلميع وتنظيف وجلي تماثيلنا كاملة الأوصاف على فيس بوك كل يوم، في الصباح دعاء مع صورة وردة أو يد ممتدة للسماء أو عين تدمع، في الظهيرة منشور آخر كوميدي عن زملاء العمل أو «العصافير» وكأنك لست واحداً منهم، أو لأنك -سامحني- فشلت أن تكون واحداً منهم، في المساء والسهرة فيديو كوميدي عن الزواج والأزواج والزوجات، أو الأطفال وصعوبات التعليم، وهكذا ليل نهار، تستمر الدوامة في الدوران ولا تتوقف.
يرتفع في دماغك هرمون الدوبامين مع كل إعجاب «لايك»، وكل تعليق بدعاء على دعاء، أو بنكتة على نكتة، وقد تصاب بخيبة أمل شديدة إن لم تأتك اللايكات التي ترضي غرورك أو تفرز لديك هرمونات السعادة، فتقول في سرك: «مش مشكلة.. نعوض بكره».
والحقيقة الكاملة إنك معزول تماماً، صدقني يا صديقي.. فهؤلاء الذين يضغطون في لحظة ملل وهم متمددين على أسرتهم أو أمام التليفزيون أو في مواصلات النقل العام لايك أو قلب أحمر إعجاباً بحكمتك وكلماتك، قرأوا ما كتبته من قبل أو لم يعنهم كثيراً، لذا لا تعتمد عليها كمقياس لحياتك، ولا تقابل أحد الأصدقاء لتسأله لماذا لا يضع لايك على منشوراتك؟، لأن هذا السؤال أسخف من أن تسأله عن رصيده في البنك. أو لون ملابسه الداخلية.
تمثال الشمع كامل الأوصاف على السوشيال ميديا يطلب منك يومياً أشياء غريبة وعجيبة، لا يطلبها ملوك الجان عند أشهر الدجالين، فلابد أن تكون متديناً تنتفض عروقك من أجل نصرة الدين وفي الوقت نفسه فلاتي ومقطع السمكة بذيلها، أن تفهم في كرة القدم والموسيقى والأكل، عبقري خسرته جامعة هارفرد وأرقى جامعات العالم، أن تعطي نصائح للآخرين كأنك حكيم زمانك من منطلق «إيه ياخد الريح من البلاط!»، يطلب منكِ أنتِ أيضاً أن تنتقي لكِ فلتر مناسب يساعدك في التخلص من عيوب البشرة والسِمنة، يضفي إليك مسحة ملائكية لا تتناسب مع الواقع الحقيقي. يطلب منك أن تكون وطنياً ومعارضاً، يطلب منك ألا تكون منطقياً لأبعد حد، أن تأخذ جانب بسرعة أن تصطف في طابور طويل، سيواجه طابور آخر معارض لهم. أن تمشي مع الركب أو تقف في وجهه، يجب أن تختار، يحذرك من السكوت قائلاً: «الكل يقول رأيه فلماذا ستصمت أنت؟»، أو كما قال المعلم عرابي في دكان شحاته «يا شيخ اسكت، هو انت يعني لو سكت، هيقولوا اللي مقالش رأيه أهو!!» أو العظيم توفيق الدقن عندما قال :”الناس كلها بقت فتوات.. أمال مين اللي هينضرب”.

 

اظهر المزيد

نادر عيسى

مؤسس ومدير المحتوى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى