حكايا ناس

صبرية السباعي.. 43 عامًا في حفر القبور وتسلق النخيل ومازال الشقاء مستمرًا

في قرية الحلة، التابعة لمحافظة قنا، ترتدي صبرية السباعي زي الرجال، وتخوض أعمالهم الشاقة بعزم، وابتسامة واسعة. ومن حفر القور، وطحن الدقيق، وعزق الأرض الزراعية؛ إلى تسلق النخل.

تبلغ صبرية السباعي 43 عامًا، وتشتهر في قريتها الصغيرة بـ منى قوت. دفعتها ظروف أسرتها إلى العمل الشاق منذ صغرها. لم تعش طفولتها مثل الكثيرات من قريناتها، وفي الوقت الذي كانت تمتلئ فيه حياة الفتيات بالنعومة والأحلام الوردية، كانت حياتها تزداد قسوة وجهدًا. حتى وصفها سكان قريتها بأنها «صلبة مثل النخل».

منى قوت.. أول طالعة نخيل بقنا
منى قوت.. أول طالعة نخيل بقنا

«لقبوني بالبنت المسترجلة». تشير «صبرية» إلى أن أهل الصعيد يرفضون عمل المرأة من الأساس. ولكن هذا الرفض كان مضاعفًا في حالتها لأنها امتهنت بعض المهن التي تعرف بأنها «مهن الرجال».

اقرأ أيضًا: آندي العربي.. أول كفيفة تدرّس اللغة اليونانية للمبصرين

«لم ألتفت إلى كلام أحد، والدتي في حاجة إلى المساعدة وكذلك والدي». هكذا تقول صبرية، وتعدد المواقف الصعبة التي واجهتها، ولكن المصاعب لا يصنعها الإنسان وحده. وتشير إلى ثعبان ظهر لها ذات مرة أثناء تسلقها للنخل، فقالت له: «لا تؤذيني ولا أؤذيك». لكنها أصيبت بلدغة سامة منها، تسببت في سقوطها من ارتفاع شاهق.

لم تشعر بالرهبة من ارتفاع النخلات في أرض الحلة، ولا الأشواك الصلبة في جريدها، وفي كل مرة كانت تنجح في تلقيح النخل وتنظيفه وجني التمور. تقول صبرية السباعي، إن رحلتها بدأت في لحظة مبكرة من حياتها، وفجأة وجدت نفسها دون كل الأطفال والفتيات، تسابق الرجال في أعمالهم. ولقد شكل لها جمع التمر وبيعه مشروعًا استثماريًا يدر على أسرتها دخلا مناسبًا.

منى قوت .. أول طالعة نخيل بقنا

أفنت عمرها من أجل حياة كريمة

في ظل الجائحة، وما تبع ذلك من ظروف الإغلاق الجبرية، وتعطل العديد من الأعمال، وجدت صبرية بعض الشباب ذاهبين لحفر القبور، فطلبت منهم المجيء معهم لمساعدتهم، وعندما ترددوا قالت في حزم: «هو أنا عشان بنت يعني، مش هاينفع أكحت معاكم».

اقرأ أيضًا: بطلة من الصعيد.. حكاية صباح أول مدربة ملاكمة رجالي

«بعد أن تبلغ الأربعين، ستعرف أن ما كنتَ تفعله في الماضي، لم تعد تستطع أن تقوم به الآن». هكذا تقول صبرية السباعي. وعندما سألتها «الناس. نت» عن ما الذي تسعى إليه ومازالت تخوض من أجله كل هذه المهن الشاقة وهي في الثالثة والأربعين من العمر، قالت: «حياة كريمة، ومنزل يأويني أنا ووالدتي المريضة».

منى قوت .. أول طالعة نخيل بقنا

مؤخرًا؛ وجه اللواء أشرف الداودي محافظ قنا، بتكريم السيدة صبرية السباعي، ومنحها شهادة تكريم، ومكافأة مالية، كونها أول امرأة تعمل في مهنة تسلق النخيل في محافظة قنا. وأشارت محافظة قنا في بيان لها، أن صبرية السباعي تعمل في مهنة لها صعوبتها ومخاطرها، ولكنها تحدت العادات والتقاليد التي يفرضها المجتمع على عمل المرأة بصورة عامة.

اقرأ أيضًا: دينا أيمن.. حكاية مهندسة مصرية تدير برامج «مايكروسوفت» | حوار خاص

كثير من النساء يعتقدن أن بعض المهن مقصورة على الرجال فقط، لكن صبرية السباعي، أثبتت العكس. ولذلك يمثل تكريم صبرية السباعي في كل مرة؛ تكريمًا للمرأة المصرية بصفة عامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى